حيدر ابراهيم علي - المجتمع المدني السوداني: رؤية من الداخل

zool - أرب, 2007-06-13 16:54 By zool
يشمل الحديث عن الانهيار القادم كل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، والافراد والجماعات بأشكالها المختلفة. وتأتي الدولة والاحزاب السياسية والمجتمع المدني على قمة العناصر التي يبدأ منها التآكل والسقوط. وتتكامل هذه المؤسسات وتمارس تأثيرات متبادلة وهي في الغالب سلبية، وهذا وضع طبيعي أو عادي. اذ تكون العناصر الايجابية ـ المقاومة اضعف، ويبقى تيار الهبوط هو الاقوى والجارف. لذلك، كان من المتوقع في الظروف العادية أو ظروف الصعود والنهوض، ان يؤدي المجتمع المدني دورا رافعا ومحفزا للتقدم والنهضة. ولكنه الآن جزء من الوضع العام، وصعب عليه أن يتغلب على شروط وجوده وراهنيته. وهذه اضافة اخرى، للحقيقة المظلمة وهي ضعف عوامل التحول والتغيير على الاقل الآن.<!--break-->
جاء مفهوم المجتمع المدني متأخرا الى المجتمع والسياسة في السودان، وقد نؤرخ له بثمانينيات القرن الماضي. وبالتأكيد مع ظهور منظمات حقوق الانسان والعفو الدولية. ويرى البعض أن ميلاد المجتمع المدني كان مبكرا ويبدأ مع الجمعيات الخيرية والأندية والنقابات والتعاونيات. ولكن هذه الفرضية تواجه سؤالا بسيطا، وهو لماذا لم يستخدم مفهوم مجتمع مدني وظللنا نطلق عليها تسمية المنظمات الجماهيرية؟ هذه طريقة تعتبر لا تاريخية في التعامل مع المفاهيم والاحداث، اذ تنزع من السياق التاريخي، ويمكن التجول بها في بلاد وأزمنة مختلفة واحيانا متناقضة. وهذا ما يفعله العقائديون الاسلامويون حين يحاولون ـ حسب لغتهم ـ «تأصيل» كل هذه المفاهيم وزرعها في واقع مختلف. اذ يحاولون اثبات اصول لكل الظواهر السياسية والاجتماعية، ثم يؤكدون أسبقية المسلمين في هذا المجال.
ويمكن القول إن المفهوم حديث وأتى في اغلبه من الخارج، ولذلك واجه المجتمع المدني اشكاليات النشأة والتكوين والتطور. وكان تأثير الخارج قويا في التفكير والممارسة بسبب التمويل الخارجي. فقد اكتفى دعاة المجتمع المدني السوداني بالتعريفات والنظريات والمناقشات الآتية من الخارج، بل الاخطر من ذلك تهرب السودانيون ـ كالعادة ـ من مجالات النظرية والفكر وتقعيد المجتمع المدني. ومال السودانيون الى ان يكونوا نشطاء وحركيين activists ويلاحظ انهم يفضلون هذه الصفة كثيرا. وبالتالي لم يزود النشطاء السودانيون المكتبة بمؤلفات ذات اثر نظري وفكري عن المجتمع المدني. وترجع اخطاء المجتمع المدني السوداني الى غياب رؤية فكرية واضحة تحدد الطريق، وأرضية نظرية قوية يرتكز عليها كل فعل وكل حركة. وظل المجتمع المدني السوداني يتحرك وينشط دون ان يشغل نفسه بالتفسير والفهم. لذلك تكررت النشاطات ولم تحقق تراكما يتحول الى اضافة كيفية في فكر المجتمع المدني، كما ان تحديد الاولويات يحتاج الى موقف فكري ونظري واضحين، فهل ختان الاناث اشد اهمية من الفساد او الفقر او تدهور التعليم؟ قد يكون الموضوع ذا اهمية في اجندة المانحين، ولكن هل هو الواقع الفعلي في السودان؟
عجز المجتمع المدني السوداني عن أن يخرج عن صفويته ومدينيته «اي الوجود في المدينة» وظل المجتمع المدني السوداني منكمشا. فالوجوه التي تتحدث متكررة، والمستمعون والمناقشون لم تتسع دائرتهم، فقد ذكرت سابقا ان كل هذا الضجيج الذي نقوم به، هو اداء مجموعة تتكون من 40 الى 50 شخصا. ولم يقبل البعض هذا الرأي تبخيسا، ولكنني حين عدت الى مسح عشوائي حسب ظهور اسماء المتحدثين، وجدت نفسي اقرب. ففي حالة عقد ندوة او ورشة عن الديمقراطية وحقوق الانسان، لن يخرج المتحدثون عن الاسماء التالية «مع حفظ الالقاب»: الصادق المهدي، علي محمود حسنين، امين مكي مدني، فاروق ابو عيسى، حسن الترابي، مبارك الفاضل المهدي، الشفيع خضر، محمد علي جادين، ساطع الحاج، سارة نقد الله، سليمان حامد، ابراهيم الامين، فاروق جاتكوث، صادق عبد الله عبد الماجد، ابيل الير، ياسر عرمان، طه ابراهيم، كولدا مان تير، كمال الجزولي، الصادق الشامي. ولو كانت الندوة عن المرأة، فالمتحدثات: بلقيس بدري، نعمات كوكو، رباح الصادق، بثينة الخراساني، سوسن الشوية، سامية النقر، رشا عوض، ايمان الخواض، سميرة حسن مهدي، هالة عبد الحليم، نفيسة احمد الامين، سعاد ابراهيم عيسى، سامية الهاشمي. ولو كان الحديث عن المجتمع المدني، فلا بد ان يكون من المتحدثين: عبد الرحيم بلال، عطا البطحاني، عدلان الحردلو، آدم الزين، محمد محجوب هارون، الطيب زين العابدين، ادريس سالم الحسن، جعفر كرار، حيدر ابراهيم. ولو كان الموضوع هو الاقتصاد: محمد ابراهيم كبج، ابراهيم منعم منصور، محمد علي محسي، فاروق كدودة، حسن بشير. اما الاعلام، فالمتحدثون: محجوب محمد صالح، مرتضى الغالي، الطيب حاج عطية، فيصل محمد صالح، الحاج وراق، عثمان ميرغني، الفرد تعبان، آمال عباس، نور الدين مدني، محجوب عروة، عادل الباز. اما موضوع التنوع الثقافي، فلا بد من وجود عبد الله آدم خاطر، محمد هارون كافي، ديرك الفرد. وفي حالة الحديث عن الاتفاقيات والمناطق المهمشة، فالمتحدثون هم: مكي علي بلايل، جمعة كندة كومي، شمس الدين ضو البيت. اما الانتخابات ففارسها مولانا محمد احمد سالم. ولم استطع تصنيف بعض الاسماء، مثل الاب فيلوثاوس وحسن مكي. واخيرا، لا بد من ضم ما تيسر من كتاب الاعمدة الصحفية اليومية.
واعتقد بلا مبالغة او تبخيس او سخرية، ان هذا هو المجتمع المدني السوداني بلا زيادة ولا نقصان. ومن اراد ان يدحض هذه الفكرة عمليا عليه ان يعقد ندوة او ورشة او مؤتمرا خاليا من هذه الاسماء. وتراودني فكرة خبيثة ولكنها قد تكون مفيدة في حالة اردنا التجديد. فقد كان الخليفة عبد الله يتضايق من بعض المعارضين وتقعير المثقفين، يذهب بهم الى الاسكلة وينقلون الى جبل الرجاف حتى يقضي الله امرا. واقول في نفسي ماذا لو انقذتنا السماء بخليفة ينقذنا من مجتمعنا المدني الحالي، لكي نجبر على بعث مجتمع مدني حقيقي.
اكاد ارجع كل سلبيات المجتمع المدني الى الضعف الفكري. وهناك مثال للموقف من التمويل الاجنبي. وهذا منطلق هجوم لدى القوى المعادية لتطور المجتمع المدني. وقد استطاعت هذه القوى أن تضع منظمات المجتمع المدني في حالة دفاع باستمرار، وكأن الامر تهمة عمالة للاجنبي. ولا تجد بين ناشطي المجتمع المدني السوداني من يتحدث عن قيام مجتمع مدني عالمي «International Civil Society» تقوم علاقاته على التضامن والمساندة والدعم المالي والعيني ايضا. وهذه ظاهرة في محتوى جديد، ولكن التضامن قديم في السودان، فقد عرفه الشيوعيون في علاقاتهم مع الاتحاد السوفيتي العظيم والمعسكر الاشتراكي. وعرفه الاسلامويون حين تدفقوا عام 1970 الى السعودية والخليج، وبصورة فجة في البنوك الاسلامية. وما يحدث الآن ليس مجرد مجتمع مدني امريكي عالمي، بل اوربي وعالمثالثي. وهذه فلسفة وجود المجتمع المدني في عصر العولمة.
يقود ما تقدم الى ان العلاقة بين المانحين والمتلقين قائمة على شراكة، وليست علاقة اليد العليا واليد الدنيا. وللأسف لم تدرك هذه الحقيقة منظمات المجتمع المدني السودانية، لذلك دخلت في علاقات فاسدة ومفسدة، فهي تتعامل مع الجهات المانحة كمتسولين، وهناك بالتالي من المانحين من يتعامل بدوره بهذه الطريقة. وهناك منظمات اجنبية محترمة تفهم دور المجتمع المدني بالصورة الصحيحة. وفي نفس الوقت هناك قلة من المنظمات تمارس هذا التعالي، وللمفارقة تقوم به ايضا قلة سودانية يفترض فيها ان تساعد المنظمة في التعامل الجيد مع السودانيين. وكثيرا ما اعقد مقارنة بين تعامل نفس هذه المنظمات مع المجتمع المدني المصري ـ والذي اعرفه اجيدا، وكيف تتعامل مع المجتمع المدني السوداني؟ وبالتأكيد يعود الاختلاف الى سلوك السودانيين كمنظمات أو موظفين مع المانحين. وهذا طريق خطر قد يقود الى افساد كامل لهذه العلاقة العالمية، ونكون قد «سودنَّاها» سريعا.
ولا اظن ان ناشطين في جمعيات طوعية يلجأون الى المحاكم الجنائية في العالم الا في السودان. وهنا عدم وعي بدور المجتمع المدني الذي يسعى الى تقليل هيمنة الدولة على المجتمع، ولا يعني ذلك الفوضى. ولكن من غير المنطقي أن يحتكم ناشطو مجتمع مدني الى محاكم يرون ان قوانينها قمعية وغير ديمقراطية. ورغم الحديث عن المؤسسية، الا ان النزاعات لا تحل ديمقراطيا، بل من خلال الانشقاقات والقضاء واغتيال الشخصية «فلان أكل قروش المنظمة!!» وهنا يفتقد المجتمع المدني أهم مقوماته ان يكون ديمقراطيا، وأن ينشر الديمقراطية.
تزداد الصورة لدي قتامة، فقد عجزنا عن الاستفادة من مؤسسة حديثة هي المجتمع المدني. وأصر السودانيون على شحنها بالتخلف والتقليدية اي سودنتها. وهذه الوضعية تزيد اليأس، فالدولة تحولت الى امنوقراطية، والاحزاب الى لجان اندية الليق؟ فماذا تبقى لنا؟
حاشية: فاطمة الصادقة
قرأت اثناء كتابة هذا المقال ـ حادثة الاستاذة فاطمة احمد ابراهيم في المجلس الوطني. وفاطمة صادقة وصافية كالبلور لا تعرف النفاق واخفاء مشاعرها الحقيقية. لذلك تصرفت حسب بوصلة قلبها وليس حسب لوائح المجلس. ورأت بعين البراءة استحالة ان يشرع القتلة والسفاحون لمستقبل الشعب السوداني وعلى اسس ديمقراطية. ولم تنفعل فاطمة ولكن سخانة القلب حين تراه برودة العقل او بالاصح «المضارفة على المصالح» تبدو انفعالاً. وسارع «العقلاء» لنفي تهمة الصدق عن أنفسهم: التجمع يتبرأ والشيوعي يعتبرها حادثة فردية! «الايام 2/5/2007م» وكأنني اسمع فاطمة الصادقة تردد:
أدونا سيوفكم
وهاكم رحاطتنا
وتحية لفاطمة ريحانة نساء السودان.

المصدر: الصحافة

كاتب

كاتب هو مشروع يهدف إلى إتاحة الفرصة لنشطاء حقوقيين و مفكرين و شباب و غيرهم من العالم العربي أن ينشروا على الوب دون قيود باستثناء الخطاب المحرض على الكراهية. يسعى كاتب إلى أن يوفر باللغة العربية و في مناخ حر ما بدأه ملايين المدونين في العالم — و ألوف في العالم العربي — ممن رفضوا الصمت ...المزيد