الصادق المهدي : حرية التنظيم في الوطن العربي

zool - جمع, 2007-06-08 23:23 By zool
حريـة التنظيم السيــاسي، والنقابي، والمدني من حقوق الإنسان المنصوص عليها في المواثيق العالمية بدءا من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948م وما تلاه من عهود ومواثيق وهي ركن أساسي في النظام الديمقراطي فلا قوام له إلا بها. <!--break-->
حرية التنظيم في الوطن العربي إما مغيبة أو مقيدة قيودا من حديد. وهنالك إجماع عززه تقرير التنمية البشرية في العالم العربي لعام 2002م أن المنطقة العربية في مؤخرة العالم الحديث من حيث التحول نحو الديمقراطية، تقدمتها في موجات الديمقراطية الثلاث: جنوب أوربا وأمريكا اللاتينية، وشرق أوربا، وأفريقيا جنوب الصحراء وكثير من الدول الإسلامية في آسيا وفي أفريقيا. ومنذ عامين ونيف بلغ الاهتمام بشأن الديمقراطية في العالم العربي أشده:

شهدت المنطقة زخماً من المؤثرات الأهلية المعنية بالديمقراطية تدارست الأمر وأعلنت توصيات ومواثيق في الإسكندرية، وبيروت، والدوحة، وصنعاء، وغيرها من البلدان. وتبارت حكومات المنطقة في إعلان برامج وخطط ديمقراطية.

ونقلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي الاهتمام بالديمقراطية في المنطقة العربية إلى قمة الدول الثماني وتكوين منبر الشراكة من أجل المستقبل، شراكة تبنت التعاون التنموي الاقتصادي والسياسي على أساس ديمقراطي.

كانت النبرة الأمريكية أعلى صوتا في هذا المجال وجعل قادتها النداء الديمقراطي ركنا أساسيا في سياستهم الخارجية إلى درجة بلغت الاعتذار عن الماضي، قالت السيدة كوندوليزا رايس في زيارتها للقاهرة في عام 2005م: «لمدة 60 عاما اتبعت بلادي سياسة دعم الاستقرار في المنطقة العربية على حساب الديمقراطية. والنتيجة لم تحقق الاستقرار ولا الديمقراطية، أما اليوم فسياستنا مختلفة وهي دعم تطلعات الشعوب للديمقراطية».

هذا الزخم الواعد لم يحقق مقاصده، بل تتالت الدلائل على أن النظم في الغالب تراجعت عن برامجها الديمقراطية، وأن ما جرى بينها وبين القوى السياسية والمدنية داخليا، وبينها وبين الدول الكبرى خارجيا، من حوارات متعلقة بالتحول الديمقراطي راوحت مكانها، بل صار كثير من النظم يعتبر أن التحول الديمقراطي يأتي بأمرين سلبيين الأول: إضعاف الأجهزة الأمنية في مواجهة «الإرهاب» والثاني تمكين «الإسلام السياسي».

ودولة العراق التي أريد لها أن تصبح رأس الرمح في مشروع التحول الديمقراطي في المنطقة تعرضت لتجربة مأساوية جعلت للأمن أولوية تفوق ما عداها.

التجربة العراقية بما فيها من احتلال واختلال جعلت النظم الأوتقراطية في المنطقة تدعي لنفسها شرعية: حنانيك بعض الشر أهون من بعض!.

والحماسة الأمريكية للتحول الديمقراطي بافتراض أنها كانت صادقة تراجعت وحلت محلها أولويات أخرى. بل الولايات المتحدة نفسها استصحبت كثيرا من ممارسات الأوتقراطية في حربها على «الإرهاب». لم تنقل عدوى الديمقراطية للمنطقة بل اكتسبت عدوى من أوتقراطيتها.

ولكن بصرف النظر عن تراجع النظم وأمريكا عن التحول الديمقراطي فإن عوامل أخرى فرضت أولويتها هي:

بؤرة الالتهاب العربية الإسرائيلية زادت التهابا وبلغت العدوانية الإسرائيلية درجة من العنف غير مسبوقة وصعدت من عدوانها على حرمة المسجد الأقصى.

فوز حماس الانتخابي وما ترتب عليه من مواجهات فلسطينية وإقليمية ودولية أوشك إن يشعل حربا أهلية فلسطينية.

الحرب الإسرائيلية على لبنان وتصدي حزب الله للآلة العسكرية الإسرائيلية وما صحب ذلك من نصر لحزب الله أدمى أنف إسرائيل وبتداعياته الداخلية نشأ استقطاب في لبنان يوشك أن يدفع به نحو الحرب الأهلية.

وتصاعدت المواجهة بشأن الملف النووي الإيراني.

وتدهورت الحالة الأمنية والإنسانية والحدودية في إقليم دارفور السوداني واحتدت بسبب ذلك وعوامل أخرى المواجهة بين الحزب الحاكم ومعارضيه داخليا، كما احتدت المواجهة بينه وبين الأسرة الدولية.

وانفجرت الحرب الأهلية في الصومال فأدى ذلك للغزو العسكري الإثيوبي بدعم أمريكي لنصر فريق على فريق فاستنسخوا الحالة الأفغانية في الصومال.

هذه العوامل شدت الانتباه السياسي والدبلوماسي في المنطقة، ولكن مع هذا كله لم يفتر تطلع شعوب المنطقة للديمقراطية، كما لم تتراجع حماسة المنظمات العالمية المعنية بدعم الديمقراطية.

وفي هذا الإطار نظم نادي مدريد العالمي، ومنظمة فريدي الإسبانية، ومركز الدراسات الإستراتيجية الأردني، ومنظمة المغرب عام 2020م، منبر حوار في القاهرة في آخر النصف الأول من شهر فبراير 2007م بهدف صياغة إستراتيجية شاملة حول أهم قضايا التحول الديمقراطي: قضية حرية التنظيم الحزبي، والنقابي، والمدني في المنطقة العربية.

درس المنبر مشروع تنظيم ورشات عمل، وموائد مستديرة، وحلقات نقاش تنظم في البلدان المعنية يشارك فيها مسؤولون حكوميون، وقوى سياسية ونقابية ومدنية، وخبراء، بالتضامن مع أعضاء نادي مدريد وهم رؤساء حكومات ودول سابقون يمدون المشروع بتجاربهم واتصالاتهم الفريدة.

هذا المشروع سوف يمتد نشاطه لعامين ويركز في البداية على ثلاث دول مختارة، ثم ثلاث دول مستفيدة بقصد أن ينتهي الأمر لصياغة برنامج إصلاح سياسي يحقق حرية التنظيم في إطار تحول ديمقراطي يمكّن الدول الملكية من تجنب أية مواجهات غير محسوبة بالانتقال للملكية الدستورية، كما يمكن النظم الجمهورية الأوتقراطية من تحول ديمقراطي يزيل التناقض بين الحكومات وشعوبها.

هذا مشروع طموح لإعادة الحياة للمشروع الديمقراطي وتوفير إستراتيجية بديلة للتعامل مع الملف الديمقراطي.

إن النجاح في صياغة هذا البيان الديمقراطي في مجال حرية التنظيم مهم في حد ذاته وهو أقصى ما يستطيع تقديمه نادي مدريد وحلفاؤه، ومن شأنه أن يدعم الرأي العام الداخلي والعالمي لصالح التحول الديمقراطي.

ولكن حرية التنظيم جزء من إصلاح سياسي ديمقراطي لن يتحقق ما لم تتبناه قوى اجتماعية فاعلة في الأقطار المعنية تعمل بكل الوسائل المتاحة من أجله ويحظى بتأييد القوى الدولية الديمقراطية حقا لا ادعاء.

المصدر: صحيفة الحقائق الدولية الصادرة من لندن- 19/2/2007

كاتب

كاتب هو مشروع يهدف إلى إتاحة الفرصة لنشطاء حقوقيين و مفكرين و شباب و غيرهم من العالم العربي أن ينشروا على الوب دون قيود باستثناء الخطاب المحرض على الكراهية. يسعى كاتب إلى أن يوفر باللغة العربية و في مناخ حر ما بدأه ملايين المدونين في العالم — و ألوف في العالم العربي — ممن رفضوا الصمت ...المزيد