الأزمة ليست وليدة " شائعة صحة الرئيس " أو بنت اللحظة
كارم يحيى *
هل من مهام صحافتنا القومية الدفاع عن اخطاء الحكومة والسلطة التنفيذية والحزب الحاكم و انتهاكات الشرطة لحقوق الإنسان ؟ .. هل قدرها ان تلعب دور " محامي الشيطان " ؟
السؤال يطرح نفسه مع "شائعة صحة الرئيس " التي كشفت عن هشاشة النظام السياسي في البلد وغموض مستقبله و معه إعلام أثبتت شائعة أنه فاقد القدرة و الكفاءة و الشفافية .وفيما يتعلق بصحافتنا القومية ـ وهي لا تزال تمتلك 80 في المائة او يزيد من امكانات صناعة الصحافة من طباعة وتوزيع وسوق اعلان وقراء ـ فإنها وفي هذا السياق تحديدا عجزت أولا عن تناول الشائعة بالتساؤل و الاستجلاء او حتى بالنفي الصريح المؤسس على معلومات موثوقة و لنحو عشرة ايام .. ثم انها انتقلت تاليا الى التحريض ضد الصحف المعارضة والخاصة الجديدة ومعها حرية الصحافة إجمالا . وبين العجز والتحريض تجلت أعراض ازمة صحافتنا القومية . <!--break-->
والأزمة ليست وليدة مناسبة الشائعة و اللحظة الراهنة . فقد ولدت قبل 47 عاما ومنذ انتقلت ملكية "كبريات الصحف" من الملكية الخاصة الفردية العائلية الى تبعية التنظيم السياسي الواحد " الإتحاد القومي " فـ " الإتحاد الاشتراكي " نهاية بمجلس الشورى اعتبارا من عام 1980 . وفي وثائق الاتحاد الاشتراكي منذ الستينيات مايفيد بأن الصيغة الجديدة جاءت ومعها مشكلاتها . ومصطلح "الصحف القومية "الذي شاع و استقر لم يرد أصلا في قانون تنظيم الصحافة 156 لعام 1960 الذي استحدث هذا التحول في ملكية وإدارة صناعة الصحافة عندنا .و ظلت الوثائق والقرارات والأدبيات السياسية تطلق اوصاف " كبريات الصحف " و" المؤسسة الصحفية " حتى ولدت التعددية الحزبية المقيدة في حضن التنظيم السياسي الواحد ومن رحمه .وهكذا بات مطلوبا التمييز بين مستجد الصحف الحزبية وبينها ، فجرى اصطناع المصطلح . و دشنه رسميا قانون سلطة الصحافة 148 لعام 1980 ، و توراثه عنه القانون الساري 96 لعام 1996 .
وبصرف النظر عن دقة مصطلح "القومية " ،فإن جذور ازمة هذه الصحافة التي باتت تمثل بحق اصولا عامة و تجربة تاريخية تعود للأمة المصرية كلها تكمن ولاتزال في هذا التناقض بين التوصيف الفلسفي و القانوني لهذا النمط الفريد المربك من الملكية وبين السلطة الفعلية عليها . وهو صراع بين مفهومين متناقضين ، وإن اختصرته القرارات الرئاسية وممارسات الادارة وسياسات التحرير والنشر لصالح احد قطبيه .وبيت القصيد في لحظتنا الراهنة ان نذكر بان شرعية التحول في الملكية و الابقاء على المؤسسات الصحفية "القومية" يقوم على فكرة " الشعب " .فوثيقة "الميثاق الوطني " الصادرة بعد عامين فقط من "تنظيم الصحافة " تحدثت عن نمط الملكية الجديد الفريد بانه " ملكية الشعب " و التي افترضت الوثيقة قدرتها على انتزاع الصحافة من سيطرة طبقة واحدة حاكمة كي تعبر عن " قوى الشعب العامل كله وتحالفها "، و وفق صيغة التنظيم السياسي الواحد . كما وصف عهد الرئيس السادات هذه الصحافة في وثيقته التأسيسية بعد 15 مايو 1971 " برنامج العمل الوطني "بـ " مؤسسات الشعب " .وبعد الغاء التنظيم السياسي الواحد وصيغة تحالف قوي الشعب العامل ، انتهينا الى تأكيد القانون الساري لعام 1996 في مادته الأولى على أن " الصحافة سلطة شعبية " و " تعبر عن مختلف اتجاهات الرأي العام " . وجاء التوضيح الأهم لتوصيف الصحف القومية بأنها " مستقلة عن السلطة التنفيذية وعن جميع الأحزاب" و"منبر للحوار الوطني الحر بين كل الاتجاهات السياسية والقوي الفاعلة في المجتمع " ( المادة 55 )
.
هذه الشرعية لهذا النمط الفريد من الملكية و بحسبان أن الصحف القومية مملوكة ملكية خاصة للدولة ويمارس حقوق الملكية عليها مجلس الشورى" وريث "الاتحاد الاشتراكي " في ممارسة الحقوق تناقضها طبيعة مجلس الشورى نفسه ونصوص تفصيلية واستكمالية بالقانون ذاته .وكلها مع واقع الممارسة و موازين القوى ومراكزها غير الدستورية أوالقانونية ( بما في ذلك اجهزة الأمن وتقاريرها ) تضعنا امام مشهد يقوض الشرعية و ينتهك صريح القانون . ويكفي الإشارة الى ان غالبية قيادات الصحافة القومية ان لم تكن كلها اعضاء في حزب واحد "الحزب الوطني الحاكم " وفي خدمة السلطة التنفيذية جهارا نهارا . والكافة على علم بمدى تأثير الاجهزة الامنية في اختيار القيادات وبقائها ، بل وفي صياغة سياسات التحرير و تحديد اتجاهات النشر . و قد فضحت أزمة تلو أزمة هذا العدوان الأمني على حرية الصحافة وتداول المعلومات ، بما في ذلك المعركة الأخيرة لنادي القضاة واستقلال القضاء .
ثمة من يرى شرعية "قومية الصحافة " من أساسها زائفة وان مصطلحات كـ " ملكية الشعب " لا محل لها من اعراب و الخصخصة آتية لاريب فيها مهما تلكأ قطارها على محطة تشبث الدولة عبثا باحتكار "سلطة المعلومة والإعلام " . لكن غالبية الجماعة الصحفية طالما و لاتزال تعبر عن انحيازها لصحف قومية ديموقراطية تعكس تعدد الاتجاهات و تخلص بحق لأسس شرعيتها ، وبوصفها أصول وصروح صناعة فكر طورها المصريون بتضحياتهم جميعا . وهو ما تعكسه مؤتمرات الصحفيين في فضاء نقابتهم وقد انتهت على مدى ربع القرن من وضع "روشته" اصلاح متعددة البدائل تجعل الصحف القومية قومية بحق . وان كان واقع الممارسة داخل جدران هذه الصحف القومية ذاتها لا يعكس هذا الوعي. ومن المؤسف ان الاتجاه الغلاب بين الجماعة الصحفية كما يتجلى في قرارت مؤتمرات النقابة لا يترجم نفسه بقوة داخل المؤسسات الصحفية . وكأن حال الصحفيين قادة الرأي من حال الأغلبية الصامتة بين المواطنين .
لكن الى اي مدى تصمد الإختلالات المقوضة لشرعية الصحافة القومية وهناك متغيرات تقتحم عليها ركودها ؟ . فالأوضاع شبه الاحتكارية تهتز مع صحف خاصة جديدة تتحدى مصداقيتها و مهنيتها ، وبسبيلها لاقتطاع نصيب من سوق الإعلان والقراء بل والطباعة والتوزيع . وإن كانت لتلك الصحف الجديدة مشكلاتها وعيوبها ايضا . وربما يغيب عن كثيرين أن التعديل الأخير للدستور بعدما مسح من مواده ميراث " الاشتراكية " و " قوي الشعب العامل " جعل وضع "الصحافة القومية" اكثر عرضة للطعن عليه بعدم الدستورية .و علما بان صيغة ملكيتها الفريدة ومسمى " القومية " هما بالأصل خارج الإطار الدستوري . ولم يرد لهما ذكر لا في دستور 1964 او دستور 1971 وتعديلاته المتلاحقة .
أزمة " شائعة الرئيس " في الصحافة القومية بشقيها ( الصامت فالتحريضي ) أظنها كانت كاشفة لحدود واتجاه التغيير الأهم والأكبر خلال عهد الرئيس مبارك في قيادات هذه الصحف ( يوليو 2005 ) . وهو تغيير تأخر كثيرا وكان مأمولا أن يقودنا الى المزيد من احترام القانون ، بداية من اسلوب اختيار القيادات الجديدة بمعايير الاستقلالية عن السلطة التنفيذية والأحزاب ووصولا الى أعمال الإدارة وسياسات النشر . ولست في وارد الحديث عن أعباء الديون المتراكمة وضعف التوزيع التي يتحمل عبئها الشعب كله ،وليس اقل من نصف من الواحد في المائة هم اعضاء الحزب الحاكم وبمقتضي العضوية الورقية المعلنة . بل اكتفى هنا بالاشارة الى ان صحيفة قومية واحدة لم تلتزم بعد بنشر ميزانيتها السنوية احتراما لصريح القانون .
وعندما تتخذ صحافتنا القومية دور الشاعر " فاوست " في رائعة المسرحي الألماني "جيته " التي تحمل الأسم نفسه " و تبيع نفسها للشيطان " ميفيستو فيليس " ، شيطان عبادة الفرد وانعدام الشفافية و التحريض على المعرفة الحرية ، فإن تراجيديا " قومية " صحافتنا "القومية" تطرح نفسها مجددا وبقوة على الجمهور .و ايضا على صحفييها الذين يعيشون بدورهم فصلا من فصول الصراع حول الشرعية و تقويضها .ولعل فرصة تسنح لاحقا لحديث عن ملامح ما يعتمل بين أغلبية لا تنتمي قطعا للحزب الحاكم و أذرع السلطة ومراكز القوى و جماعاتها وبين أقلية لا تزال تختطف صحافتنا من غير سند دستوري او قانوني ، و تدفع بها الى دور " محامي الشيطان " .
* مؤلف كتاب " حرية على الهامش :
في نقد أحوال الصحافة المصرية "
نشر في " البديل " 13 سبتمبر 2007
