حازم صاغيّة الحياة - 13/11/07//
تقدّم باكستان، اليوم، عيّنة تتعدّاها، مفادها هبوب ثورتين في وقت واحد: أولاهما، إسلاميّة أصوليّة ترى في برويز مشرّف حليفاً لـ «الكفّار والأجانب»، والثانية، ديموقراطيّة الأفق تعبّر عن نخب الطبقات الوسطى، وترى في مشرّف ديكتاتوراً عسكريّاً، بينما تحاول تقليد ديموقراطيّة «الكفّار والأجانب».
والحال أن مثل هذا التزامُن هو ما سبق أن رأيناه مراراً، ولو اختلفت تعابيره، في عديد البلدان غير الأوروبيّة أو شبه الأوروبيّة كروسيا وجورجيا. لكنْ في كلّ مرّة، كانت الهزيمة نصيب الطرف الأقلّ استبداداً والأكثر اعتدالاً وحداثة.
فالثورة الروسيّة، وهذه الأيّام تحلّ ذكراها التسعون، سجّلت تزامُنين تلاحقا في إيقاع بالغ السرعة: في المرّة الأولى، بين التطلّع الديموقراطيّ الذي عبّر عنه كيرنسكي، والتوق التوتاليتاريّ الذي مثّله لينين، وكان الانتصار، كما هو معلوم، حصّة الثاني. ثم ترافق الميل الى مزاوجة الاشتراكيّة والرأسماليّة، وكان رمزه بوخارين، والميل الى «التجميع الزراعيّ» الراديكاليّ الذي نفّذه ستالين بقسوة دمويّة استثنائيّة. وقد انتصر ستالين طبعاً.
وفي إيران أيضاً حصل شيء من هذا، فتمكّن الخميني من تبديد تلك القوّة التي اعتبرت نهاية الشاه بداية الديموقراطيّة والحكم الدستوريّ. ولئن أعيد مهدي بازركان إلى بيته، وهرب أبو الحسن بني صدر الى باريس، فقد انتهى قطب زادة، مثله مثل بوخارين، على المشنقة.
وأغلب الظنّ أن الثورتين الباكستانيّتين المتزامنتين، إذا ما نجحتا في الإطباق على برويز مشرف، وهو احتمال مرجّح، فإن إحداهما، الدينيّة، سوف تجتثّ رفيقة دربها، الديموقراطيّة، وتحمل روّادها، بمن فيهم بنازير بوتو التي تجمع الخفّة الى الاستعجال، على ندم لا ينفع. فإذا جاز القول إن «القاعدة» والسلاح النوويّ في باكستان يجعلان التخلّي الأميركيّ مستحيلاً، جاز القول أيضاً إن التورط الأميركيّ لن يكون سحراً تنوب فاعليّته عن تركيبة المجتمع المعنيّ وثقافته.
والمشكلة، في هذه الحالات جميعاً على تفاوتها، أن أصحاب الدعوات الحديثة، أو الديموقراطيّة، لا يملكون، في المجتمعات غير الغربيّة، القاعدة الماديّة الصلبة التي تسند دعواتهم، كما أن موقعهم في منظومة القيم السائدة هشّ أو هامشيّ. فهم، حكماً وتعريفاً، أمام مأزق مفاده: إما تحمّل الاستبداد في السلطة أو تحمّل الاستبداد في المجتمع، عبر المساهمة في إسقاط السلطة والتمهيد لاجتثاثهم هم أنفسهم على يد طرف أشدّ عنَتاً هو حليفهم السابق.
وهو مأزق لا يُستوفى التعامل معه في ظلّ اقتصار السياسة وفهمها على السياسيّ والفكريّ مصحوباً بإغفال المجتمعيّ. فبدل أن تدور المقدّمة التي تُشتَق منها الحلول المقترحة على فكرةٍ (ديموقراطيّة أم استبداد، رأسماليّة أم اشتراكيّة الخ...)، وهو نسخ كسول للتجارب الأوروبيّة، يُستحسن أن تدور تلك المقدمة على المجتمع نفسه (تركيبه، قواه، أفكاره، بدائله المتوافرة الخ...).
في هذا المعنى، وضدّاً على سذاجة الدعوة الديموقراطيّة في نسختها الأميركيّة، يصير التفضيل الأعمى للمجتمعات على أنظمتها السيّئة مسألة فيها نظر. والسذاجة تلك تتضاعف حين تتوخّى الجمع بين الديموقراطيّة ومكافحة «القاعدة» في مجتمعات تولّد «القاعدة» بقدر ما تنضّب الديموقراطيّة.
فليست مصادفاتٍ بحتة أن ينتصر لينين على كيرنسكي، وستالين على بوخارين، ويلتسن على غورباتشوف، والخميني على بازركان، وأن تكون «صحوة» العشائر في العراق، لا الطبقات الوسطى، البديل الوحيد المتوافر عن «صحوة» الطوائف.
فلنسائل البلدان وتواريخها وثقافاتها، إذاً، قبل أن نسائل الأفكار والأنظمة السياسيّة، ظانّين أن ما يجوز هناك يجوز هنا، هكذا من غير تعديل!
(*)نقلا عن دار الحياة
