لماذا لا يقاومون طردهم من الأرض بالشدة اللازمة؟ ... الفلاحون بين جبروت النظام الحاكم.. وطراوة اليسار (1) *

tadamon - سبت, 2008-01-05 07:27 By tadamon

             أولا: نظــــــام الحكــــــم .

 فى مدونته الأخيرة (سيرة عامل مهمش) التى صدرت فى يوليو 2007 يذكر العم عطية الصيرفى ما مفاده:أنه فى الأيام الأولى لأول وزارة  لثورة يوليو 1952 أبلغ على ماهر رئيس الوزراء أقاربه وأصهاره من عائلة فودة الإقطاعية فى مركز ميت غمر دقهلية بعزم الثورة على إصدار قانون للإصلاح الزراعى.وعلى الفور بادرت العائلة وعميدها راغب بك فودة ببيع ملكياتها من الأراضى الزراعية (3000 فدان) فى قرى ميت غمر والسنبلاوين لتاجر المخدرات ذائع الصيت والسلطان عبد الرحيم المرشدى عن طريق عائلة أخرى تحتكر تجارة " الصنف" فى الوجه البحرى اسمها عائلة الشعار.كان زمام الزراعة بقرية (سمبومقام) بالكامل ضمن هذه المساحة المباعة .. ولذلك لجأ المرشدى لعدد من الإجراءات ولأحد الأشقياء المعروفين للتصرف في الأرض وإسكات أهل القرية.تذمر الأهالي.. لكن تذمرهم كان مكتوما.. فما كان قد حدث منذ أسابيع قليلة في مدينة كفر الدوار على الفرع الغربي لنهر النيل من مذبحة لعمالها وإعدام لإثنين من قادتهم (خميس والبقري) قد خلف مناخا كئيبا وسحبا قاتمة خيمت على مصر كلها فجثمت على المشاعر في الصدور وحبست الدموع في العيون.وفي صباح يوم من أيام سبتمبر52 توجه المرشدي في سيارته المجنونة لمركز شرطة ميت غمر وعاد إلى قرية سمبومقام التي تقع بين قريته ومدينة ميت غمر بقوات من الشرطة مسلحة بقيادة معاون البوليس ( اليوزباشي سمير) يدعمها مدد آخر من أشقياء الريف وأعوان تاجر المخدرات ورجال الإقطاعي راغب فوده وبدأوا مذبحة مروعة لأهالي القرية تتضاءل أمامها أية مذابح أخرى سابقة.. تساقط فيها القتلى والجرحى بالعشرات وتم إصطياد من تسلقوا النخيل منهم –هربا من المجزرة- ليتهاووا على الأرض صرعى، واعتقل حوالي مائة فلاح بعد انتهاء المهمة واستسلامهم ، وسيموا العذاب ضربا بالسياط وغمرا في أحواض سقاية خيل الحكومة ثلاثة أيام متالية بعدها قُدموا إلى القضاء العسكري بتهم شتي.بينما أفلت تاجر المخدرات المرشدي والإقطاعي فودة بفضل حماية علي ماهر رئيس وزراء أول وزارة لثورة يوليو وفازا بالأرض وثمنها.وهكذا تبخر في سمبومقام قانون الإصلاح الزراعي مع ماء المصارف، وفي طبقات الجو العليا التقيا مع أنين الفلاحين ولعناتهم.وما فعله علي ماهر في الدقهلية فعله أنور السادات في المنوفية وسيد مرعي في الشرقية وغيرهم في محافظات أخرى..<!--break--> فقد تسرب خبر قانون الإصلاح الزراعي قبل صدوره من داخل مجلس قيادة الثورة عام 52 إلى الكثير من الإقطاعيين.. فتصرف بعضهم كما تصرف إقطاعي ميت غمر وشريكه.. ولجأ بعضهم في هدوء وصمت للحيلة والخديعة والتدبير بينما ركبت العنجهية رءوس بعض آخر فتصدوا لتنفيذ القانون بالقوة المسلحة مما اضطر رجال ثورة يوليو - حفاظا على هيبتهم -  لمعاملتهم بالمثل فحاصروهم بالدبابات كما حدث مع الإقطاعي عدلي لملوم في بني سويف.لم تكن تلك الواقعة هي الوحيدة في الأيام أو الشهور الأولى لصدور قانون الإصلاح الزراعي 178/1952 بل ولم تكن الفريدة في أحداثها.. كل ما في الأمر في حالتنا هذه أن شابا ذكيا نشيطا ومهموما بقاضايا مجتمعه.. كان معاصرا للأحداث وقريبا منها فتابع ورصد وسجل ودفعنا لتقليب كثير من صفحات التاريخ في محاولة للإجابة على السؤال: لماذا لا يقاوم الفلاحون طردهم من أراضي الإصلاح الزراعي بالوسيلة اللازمة وبالشدة المطلوبة؟!.وإذا كان السؤال منطقيا.. فمحاولة الإجابة جديرة بالتمحيص والتفنيد ونستأذن القراء في مواربة بابها:بادئ ذي بدء.. نشير إلى تكاتف عناصر ثلاثة تشكل إجابة السؤال: يتصل أولها مباشرة بنظام الحكم والسطلة القائمة في مصر سواء إبان صدور أول قانون للإصلاح الزراعى ، أو في بداية عصر الردة عن السياسات الناصرية بعد حرب أكتوبر 1973 على يد أنور السادات ،أو في قمة "عصر بيع كل شئ " والتحالف مع أعداء الوطن والتبعية لهم.. عصر مبارك.ويتصل ثانيها بدور اليساريين في المسألة سواء في علاقتهم بنظام الحكم القائم في العصور الثلاثة أوفى صلتهم بجماهير الفلاحين في الريف.أما ثالثها فيتعلق بدور الفلاحين أنفسهم جمهورا وقادة في هذا الشأن. أولا: نظام الحكم والسلطة القائمة في مصر§   كان القضاء علي الإقطاع أحد مبادئ ثورة الجيش في 1952، وحسبما ذكرنا في مقال سابق لم يكن لأغلبية مجلس قيادة الثورة تصور واضح عن حدود وأبعاد الإصلاح الزراعي المزمع إجراؤه، بل لا نبالغ إن قلنا أن ثلاثة أعضاء فقط من هذا المجلس كانوا مع مبدأ الإصلاح الزراعي وأن الأغلبية لم تكن معه إلا لسبب واحد هو إزاحة الإقطاعيين وكبيرهم (الملك) من سدة الحكم والإنتصار عليهم سياسيا، ولم يكن ذلك ممكنا إلا بتوجيه ضربة قوية لهم تزعزع سيطرتهم الإقتصادية وتخلق حالة شعبية معادية لهم وسط الشعب وخصوصا الفلاحين بالذات وأنهم – أى الإقطاعيين- كانوا متغلغلين في نسيج المجتمع وثنايا الأجهزة السيادية والإدارية كالجيش والشرطة والنيابة والقضاء والخارجية وغيرها علاوة على ما لهم من صلات وثيقة بقطاعات أخرى في الأزهر ووزارة المعارف وبقية فروع النشاط الإقتصادي كالصناعة والتجارة والبنوك وغيرها، بهذه الصورة كانت موافقة الأغلبية فى مجلس قيادة ثورة يوليو على قانون الإصلاح الزراعى موافقة مشروطة وليست مطلقة ولا تتعلق بمبدا الإصلاح الزراعى. §   وبرغم مشاعر البهجة التي غمرت الفلاحين في الريف بصدور قانون الإصلاح الزراعى إلا أن المناخ السائد آنذاك كان متخلفا إلى حد بعيد فالفلاحون لا حول لهم ولا قوة (فهم أميون وفقراء تنتشر بينهم الأمراض والأفكار الغيبية والخزعبلات، وهم خائفون من الوحوش الإقطاعية التي تحكم قراهم ، وغير منظمين في أحزاب حقيقية تبلور توجههم وتقوي شوكتهم، أوفى نقابات ينخرطون فيها وتدافع عن حقوقهم ومصالحهم أو اتحادات تضمهم وتوحد كلمتهم وتعلن مطالبهم).§   كما أن قانون الإصلاح الزراعي كان مليئا بالثغرات والثقوب.. وقبل أن يصدر كانت أخباره قد وصلت عتاة الإقطاعيين فاستعد كل منهم للأمر بطريقته.. وباتت المباغتة بصدوره أمرا عديم الجدوى.فقد سمحت المادة الرابعة منه للإقطاعيين بفترة سماح (5 سنوات امتدت إلى 7 سنوات فيما بعد) للتصرف في المساحات الزائدة عما حدده القانون (300 فدان للأسرة، 200 فدان للفرد) وهو ما اعتبره الفلاحون بعد ذلك نوعا من تأجيل تنفيذ القانون في كثير من الحالات وفي عدد من القرى خصوصا بالنسبة للإقطاعيين الذين لا يملكون مساحات شاسعة أو الذين تمكنوا من تهريب أراضيهم بطرق وأشكال شتى فالإقطاعيون لمدة سبع سنوات كانوا في حالة تصرف في المساحات الزائدة، يعيشون في القرى ويمارسون حياتهم وبطشهم ربما بمستوى أقل من سابقه لكنها في الحالات التي أبدي فيها الفلاحون مقاومة.. كانت بمستوى أكثر شراسة ودموية.وتوضيحا للصورة نذكر: صادر القانون أراضى الأسرة الملكية التي غادرت مصر وبدأ توزيع أراضيها تمليكا على المعدمين والفقراء من الفلاحين.. ونقلت وسائل الإعلام ذلك لكل ركن في مصر وخارجها.وشاع لدى الرأي العام.. أن ماحدث مع الملك وأسرته وعدد محدود من كبار الإقطاعيين من مصادرة شبه كاملة لأراضيهم قد تم مثله مع بقية الإقطاعيين وهو مالم يحدث، وتصور الفلاحون أن من يعيشون بينهم من الإقطاعيين هم العدد الأقل الذي باتت نهايته قريبة.. لكن بمرور الوقت اكتشفوا أن الأمر ليس بهذه البساطة.. فقد كان الإقطاعيون – الذين لا يزيدون عن 1082 شخصا ويشكلون 336 أسرة ينشطون هم أو رجالهم وأعوانهم - في الجمعيات التعاونية الزراعية ويمارسون فيها كثيرا من السطوة الإجتماعية والإدارية القديمة، حتى التنظيم السياسي الجديد (هيئة التحرير) كانوا يسيطرون عليه في قراهم، علاوة على ما يظهرونه من فرحة في كل الأزمات التي تحيق بالوطن كالعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 بما يعني من بعض الزوايا أن أملهم في استعادة وضعهم القديم لم يأفل.. ولم ينته، وتكرر ذلك في عام 1961 إبان أحداث انفصال الوحدة المصرية السورية.لقد كانت مصادرة أراضي الدائرة الملكية تختلف عن مصادرة أراضى أغلبية الأسر الإقطاعية حيث تمت الأولى بسهولة ويسر بينما مثلت الثانية عملية معقدة جدا.. فجملة الأجهزة الإدارية خصوصا فروع هيئة الإصلاح الزراعي في الأقاليم كانت متواطئة مع الإقطاعيين وكان بعض أفرادها يعملون في الوسايا الإقطاعية قبل صدور القانون، وأجهزة الشرطة كانت في خدمتهم خصوصا قبل الثورة.. ولم يفقد أغلبها تعاطفها معهم بعدها.. وكان كثير من أفرادها ضالعا في قهر الفلاحين وتلفيق التهم لقادتهم.. ووصل بعض هؤلاء الضباط لمنصب وزير الداخلية فيما بعد.وهذا بخلاف مالهم من صلات وأبناء ومناصرين في سلك النيابة والقضاء وغيرها.§   ولأن الجزء الأقل من أراضى اقطاعيين كان هو المسجل فى السجلات الرسمية بينما الجزء الأكبر لم يكن كذلك .. فقد كان إما مغتصبا أو خاضعا لحيازتهم بوضع اليد أو مستبدلا من الفلاحين أو مُشترى منهم بعقود عرفية أو صورية بالإكراه.. فقد لعبت مصلحة الشهر العقاري ومصلحة المساحة وموظفي هيئة الإصلاح بالأقاليم الدور الأكبر في تيسير عمليات تهريب الأراضى، ولذلك تمكن عديد من الأسر الإقطاعية من تهريب مساحات كبيرة من أراضيها والإبتعاد عن تطبيق القانون لمدة 9 سنوات كاملة أي حتي قبيل صدور القانون الثاني للإصلاح رقم 127/1961 كما حدث في كمشيش.ولما اشتعل الصراع في بعض القرى القليلة مع الفلاحين و أبلغوا عن تهرب الإقطاع من تطبيق القانون أوفد مجلس قيادة الثورة أحد أعضائه (أنور السادات) لحل النزاع.. إلا أن قادة الفلاحين فوجئوا بمنطق مندوب الثورة أقرب لمنطق الإقطاعي فرفضوه وتكررت المحاولة وتكرر الرفض الذي أسفر عن قرار للسادات بإعتقال 27 من قادة الفلاحين أطاح بهم لمدة عشرين شهرا في معتقل قنا.§   كذلك شكلت جماعة الإخوان المسلمين سندا معنويا وإيديوليوجيا هائلا للإقطاعيين وعاملا مثبطا لأية أفكار أو إجراءات تستهدف مقاومة الفلاحين لهم أو تسعى لفضح عمليات تهريب الأرض والتحايل على قانون الإصلاح.. وتشكل تجربة صلاح حسين في كمشيش مثالا حيا على هذا الإنحياز حيث اكتشف أن الجماعة قد فتحت دهاليز خليفة مع الإقطاع بينما في الظاهر تبدي تعاطفها مع الفلاحين.. وإزاء المواجهة بينه وبين الجماعة أسفرت الأخيرة عن حقيقة موقفها وأشهر قادتها في وجهه الآية الكريمة [وجعلنا بعضكم فوق بعض درجات] مما دفعه لقطيعة أبدية معها.لقد حلت ثورة يوليو كل الأحزاب السياسية بما فيها حزب الوفد بينما أبقت على جماعة الإخوان المسلمين التي عارضت قانون الإصلاح في ركنيه الأساسيين وهما:1- الحد الأقصى للملكية (حيث رأت الجماعة ألا يقل الحد الأقصى عن خمسمائة فدان للفرد بدلا من مائتين ومن ثم 750 فدانا للأسرة بدلا من ثلاثمائة).2-   ونوعية المستفيدين من القانون (التي رأت الجماعة أن يكونوا من الفلاحين الأثرياء بدلا من المعدمين والفقراء).باختصار كانت معركة الإصلاح الزراعي دائرة بين رجال ثورة يوليو من جانب وبين الإقطاعيين وبعض الأحزاب السياسية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين من جانب آخر في الوقت الذى جلس فيه الفلاحون فى مقاعد المشاهدين باستثناء بؤر محدودة فى بعض القرى من أبرزها كمشيش التي اندلع فيها الصراع فور قيام الثورة بسبب وجود قيادة طلابية وفلاحية تتمتع بكثير من الحس الوطني وبعض الوعي السياسي الذي صهرته حرارة الصراع وارتقت به بالتدريج واستجمعت وراءها أغلب فلاحي القرية حتى تم كشف الأرض المهربة وإبعاد الإقطاعيين عن القرية، وتخطت الميول المهادنة لبعض الإتجاهات في مجلس قيادة الثورة التي سعت لفرض حلول توفيقية تبقي على الوضع دون تغيير حقيقى.. تلك الميول التى تضع العراقيل أمام حركة فلاحية شعبية ربما تتجاوز الآفاق التي توقعها أوحددها رجال ثورة يوليو خطا أحمر محظورا تجاوزه.يؤكد ذلك ويوضحه دور الأجهزة التي كلفت بإجراء انتخابات الإتحاد القومي في قرية كمشيش فبرغم تفوق كفة الفلاحين الواضح على كفة الإقطاع إلا أنها – أى الأجهزة - أمسكت العصا من المنتصف وقسمت مقاعد التنظيم السياسي مناصفة بين ممثلي الإقطاع والفلاحين.-   هذا وقد تضمن قانون الإصلاح الزراعي دفع تعويض للإقطاعيين مقابل الأرض التي تمت مصادرتها مما أشعرهم بأن السلطة الجديدة تُقِر من حيث المبدأ بانتزاعها حقا أصيلا من حقوقهم رغم أن حجم ما صودر منهم من أراض لم يكن يشكل سوى جزء محدود من مصدر واحد من مصادر ثروتهم المتعددة وهو الأرض الزراعية هذا من ناحية.-   ومن ناحية أخرى كان تمليك الأرض المصادرة للفقراء من الفلاحين مشروطا بتسديدهم لأقساط ثمنها على 40 قسط سنوي تحصلها منهم الهيئة العامة للإصلاح الزراعي ولم يراع المشرع أو سلطة يوليو أية تحوطات لإحتمال تغير الوضع السياسي الجديد.. ومن ثم إمكانية استعادة هذه الأرض من الفلاحين خصوصا وأن السلطة الجديدة كانت محط توجس ثم تربص الدوائر الإستعمارية.من جانب آخر كانت مقاومة عدد من الإقطاعيين لإجراءات تنفيذ قانون الإصلاح الزراعي والتحايل عليه وخلق المشاكل السياسية وتشكيل مزيد من العقبات للسلطة الجديدة سببا في إبعاد بعضهم من الريف إلى المدن الكبرى.. واستخدام قانون الطوارئ في التحفظ على بقية أراضيهم وتأجيرها لقطاع آخر من الفلاحين مع بقاء ملكيتها للإقطاعيين وإيصال إيجارها السنوي لهم بعد قيام هيئة الإصلاح الزراعي بتحصيله من الفلاحين.وهذا النوع من الاراضي اشتهر باسم أراضي الحراسة الذي كان القضمة الأولى لسياسات النظام الحاكم في عصر السادات فيما بعد والذي دشن عملية الإرتداد الكبرى عن السياسيات الناصرية في مجال الزراعة بالقانون 69 لسنة74.أما بالنسبة للسياسات الزراعية فقد كانت سلطة يوليو واضحة في صياغتها و تطبيقها و تركزت في:§   الدولة هي المورد الوحيد لمستلزمات الإنتاج الزراعي كالبذور والتقاوى والأسمدة والمبيدات والآلات الزراعية بل والأعلاف.. والمحدد لأسعارها.§   وتضع دورة زراعية غير قابلة للخرق وتحدد نوعية المحاصيل المنزرعة ومساحاتها استنادا إلى الإحتياجات المحلية والالتزامات التصديرية.§   وتحتكر تسويق عدد من المحاصيل كالقطن وقصب السكر، وتلزم الفلاحين بتوريد كميات محددة من محاصيل الحبوب لها بالأسعار التي تفرضها وتقل كثيرا عن الأسعار العالمية.-       وتفرض عددا من الضرائب والرسوم والتمغات تختص يالأراضي والمحاصيل ومستلزمات الإنتاج الزراعي.-   كما سنت تباعا عددا من القوانين المتعلقة بالائتمان والتعاون والتسويق، علاوة على انفرادها بإنشاء التنظيمات التعاونية (الإنتاجية والإستهلاكية) ، فضلا عن كون التنظيم السياسي الوحيد سواء كان هيئة التحرير أو الإتحاد القومي أو الإتحاد الإشتراكي تنظيما حكوميا وتمثل عضويته شرطا لممارسة العمل السياسي والنقابي أو أي عمل عام. لقد كانت جملة هذه السياسيات وتطبيقاتها تصب في مصلحة وخزانة الدولة ولم تترك للفلاحين أي هامش ولو ضيق للمساهمة في تحديد السياسة الزراعية أو حتى إنشاء التنظيمات التعاونية والنقابية.. ناهيك عن مصادرة حق التنظيم السياسي.. واقتصاره على التنظيم الحكومي واستمرار هذا الوضع طويلا دون تغيير أو تعديل أو حتى قراءة لنتائجه سلبا وإيجابا إلي أن وقعت هزيمة 1967.-   لقد تفجرت في بعض البؤر المعارك المسلحة بين الفلاحين والإقطاع نظرا لإستمرار حيازة الإقطاعيين للأرض دون مساس وتهربهم من القانون وإصرارهم على استمرار وضعهم في القرى بطريقة ومستوى أشبه بما كان عليه قبل 52.. مما حدا بالدولة لعزلهم من مناصبهم في العمودية.. وعزلهم سياسيا.. أو إبعادهم عن الريف..-   وفي الوقت الذي كانت الدولة تحتفظ لبعضهم بسجلات جنائية كانت الأجهزة البوليسية تتصدى للفلاحين وقادتهم بعنف وتعتقل بعضهم أو تعزلهم سياسيا أو تحدد إقامتهم كما حدث مع صلاح حسين الذي أمضى حياته السياسية من 52 وحتى 1966 متعرضا على الدوام لهذه الإجراءات الثلاثة، وفي نفس الوقت كانت تحاصر أية حركة فلاحية تشتم منها إمكانية تجاوزها للحدود التي وضعها النظام الحاكم للنشاط السياسي.. ولأن الحركة في كمشيش أظهرت للعيان تهرب الإقطاع من قانون الإصلاح الزراعي وألمحت لمن يكون وراء ذلك وكشفت فساد كل الهيئات الإدارية ذات الصلة بالموضوع.. علاوة على إدراكها لما يمكن أن يدبر لإسقاط النظام الحاكم في مصر وربطت ذلك بعدد من التحركات الرجعية في الداخل.. أيقن الإقطاعيون المخاطر التي سيتعرضون لها لواستمرت حركة الفلاحين في كمشيش فى التصاعد.. كما أيقنت قطاعات متنفذة في النظام الحاكم بأنها قد تجاوزت كل الخطوط الحمراء.. بحديثها اليومي عن المزارع التعاونية.. وإمكانية تطبيقها في القرية.. وباقتراحاتها التي لا تخلو من جسارة بمطالبتها بالإستيلاء على ما تبقى من قصور العائلة الإقطاعية لإستخدامها كمرافق عامة ولمنع توظيفها في عمليات التدبير والتخطيط ضد حركة الفلاحين.من هنا كان لابد للتخلص من مثل هذه القيادات حيث تم إغتيال دسوقي أحمد في المنيا وصلاح حسين في كمشيش في شهرين متتالين عام 1966.-   وبهزيمة عام 1967 بدأت مرحلة جديدة.. اتخذ فيها النظام منحنى الهبوط والتدهور ولأول مرة في وجود عبد الناصر نصادف أحكاما قضائية لصالح صغار الإقطاعيين لاسترداد بعض أراضيهم الموضوعة تحت الحراسة ونشاهد رجال الشرطة ومُحضر التنفيذ بصحبة الإقطاعي عام 1969 متوجهين لأراضي الحراسة بهدف استعادتها.. ونظرا لمقاومة الفلاحين أصدر عبد الناصر قرارا بوقف تسليمها طالما يزرعها الفلاحون.-   وبوفاة عبد الناصر وبإزاحة السادات لأبرز معاونيه وبسبب النتائج السياسية الهزيلة لحرب 1973.. واتخاذها تكئة في مسيرة الهبوط والإرتباط بالغرب وبأعداء الوطن.. صدرالقانون 69 لسنة 1974 المعروف بقانون رفع الحراسة الذي فتح الباب واسعا أما استرداد ليس فقط أراضي الحراسة بل وكثيرا من أراضي الاستيلاء التي صودرت بقانون الإصلاح الزراعي.وقد واكب صدور ذلك القانون صدور قوانين أخرى تتعلق بالإنفتاح الإقتصادي وبكثير من التحولات السياسية والإقتصادية التي وضعت الفلاحين في مرمى نيران كل من طالتهم إجراءات ثورة يوليو.. ونيران من تعاطفوا معهم..-   بعقد اتفاقية السلام مع اسرائيل.. وصدور قانون الإيجارات الزراعية 96 لسنة 1992 ووقف العمل بعقود الإيجار غير محددة المدة اجتاح الريف طوفان لم يعرف له مثال أزاح أمامه مستأجري الأراضي الزراعية سواء كانت أراضي الحراسة أو أراضي الائتمان، وابتدعت الحيل  وصدرت القرارات لاستبدال أراضي الحراسة بأراضي الإستيلاء.. ثم العودة لإسترداد أراضي الحراسة مرة أخرى بنفس القرارات.. وتفننت هيئة الإصلاح الزراعي في تغييب الفلاحين عن القضايا التي أقامها الإقطاعيون أو ورثتهم ضد الهيئة وفي حجب المستندات عن الفلاحين.. ونشط السماسرة من المحامين في تزوير الأحكام والصيغ التنفيذية لها وسط تواطؤ الجميع، وسال لعاب رجال تنفيذ الأحكام في أقلام المحضرين ومراكز الشرطة وبات تنفيذ الحكم الواحد أكثر من مرة أمرا عاديا.. وهكذا تبخرت مساحات شاسعة من الأراضي التي رفعت عنها الحراسة وأراضي الإستيلاء التي صادرها قانون الإصلاح الزراعي من بين أيدي الفلاحين-   كما ساهم قانون الإيجارات الزراعية الجديد 96/ 1992- الذى أيدته بشدة جماعة الإخوان المسلمين - في رفع الإيجارات الزراعية لمستويات فلكية تتجاوز إمكانيات المستأجرين وأمعنت الدولة في حصار صغار الفلاحين وفقرائهم بطرح الجزء الأعظم من مستلزمات الإنتاج الزراعي في الأسواق (بذور،تقاوي، أسمدة، مبيدات، آلات، أعلاف) مما رفع أسعارها بجنون، وحولت الائتمان الزراعي إلى ائتمان تجاري تتساوى فائدة القروض التي يمنحها (بنك القرية) بفوائد البنوك التجارية مما أوقع آلاف الفلاحين أسرى قرارات الحجز وأحكام الحبس، وتعمل حاليا على خصخصة بنوك القرى التي اغتصبت أموال الفلاحين من الجمعيات الزراعية ليستولي عليها من لاعلاقة لهم بالزراعة أو الفلاحين.. ولتسفر جملة هذه السياسيات والإجراءات عن شل قدرة المستأجرين على زراعة الأرض وخنق الملاك الصغار وإجبارهم على بيع أراضيهم إيثارا للسلامة.-   من جانب آخر فتحت الطريق واسعا أمام الشركات متعددة الجنسية العاملة في مجال إنتاج وتجارة مستلزمات الإنتاج الزراعي (بذور، أسمدة، مبيدات آلات، اعلاف) للسيطرة على أسواقها في مصر.. وفرض أسعارها.. وتنفيذ أغراضها الخاصة بإزاحة المستأجرين والملاك الصغار من الأراضي التي يزرعونها إلى عرض الطريق وضم أراضيهم إلى أراضي كبار الزراع المرتبطين بهذه الشركات الأجنبية.-   ولم تنس الدولة أن تمحو من الدستور أي أثر للإصلاح الزراعي، فعملت على عزل الفلاحين الحائزين لثلاثة أفدنة فأقل (90% من الفلاحين).. وتخطط لحبسهم في نقابة العمال الزراعيين التي تسيطر عليها وتتحكم فيها.. وتبعدهم بالتدريج عن الجمعيات الزراعية مستخدمة فى ذلك إجراءا غير دستورى يتعلق بتعريف جديد للعامل والفلاح تسعى لتعميمه فى تكتم معتبرة إياهم عمالا زراعيين وليسوا فلاحين. وتلتقي محاولتها تلك مع عمليات طردهم من أراضي الإصلاح الزراعي ومع توقف كثير منهم عن الزراعة لإرتفاع تكاليفها وارتفاع الإيجارات الزراعية وانخفاض عائد الأرض من الإنتاج الزراعي.وهكذا تهب الريح في اتجاه واحد، ويتكرر المشهد :مطاردة دائمة من جانب الدولة والمرتبطين بها من ورثة الإقطاعيين وكبار الزراع.. وفرار مؤقت أومستمر وتلق للضربات ..ثم عودة للأرض.... ومقاومة محدودة من جانب الفلاحين.

 13/9/2007                                                   بشـــــير صـــقر

* نشرت فى جريدة البديل فى 3/10/2007 ص 11  .

كاتب

كاتب هو مشروع يهدف إلى إتاحة الفرصة لنشطاء حقوقيين و مفكرين و شباب و غيرهم من العالم العربي أن ينشروا على الوب دون قيود باستثناء الخطاب المحرض على الكراهية. يسعى كاتب إلى أن يوفر باللغة العربية و في مناخ حر ما بدأه ملايين المدونين في العالم — و ألوف في العالم العربي — ممن رفضوا الصمت ...المزيد