تطمح الكتابة الشعرية إلى الدخول إلى عوالم وفضاءات تمتلئ بالقلق ذلك الاحساس المؤرق والذي يدفع بالمبدع إلى طرح أسئلته الخاصة والتي ربما لا يهدف من ورائها إلى إجابات مباشرة ويقينية بالنسبة لذاته المدركة لعالم موحش يمتلئ بالتناقضات والإخفاقات أو بالنسبة لمتلقٍ قد يرى في التجربة الشعرية المطروحة عليه مشروعاً لا يكتمل أبداً ولا يتحدد بهدف غائي.وهذا ما دفع أحد رواد مدرسة فرانكفورت النقدية وهو “تيوددر أدورنو” إلى تلمس الخلاص في الشعر بتحرير الإنسان من الاغتراب والتشيؤ ومن تسلط العقل بمعناه الأداتي والنفعي على الطبيعة ليتحقق الوعد بالسعادة والحقيقة الذاتية غير المزيفة، تلك الحقيقة الأصلية التي تعبر عن جوهر الكينونة، فلا بد للشاعر وفق “أدورنو” من ان يكتب وهو ممتلئ بالواقع، وان يتحسس صوته الذي يتراوح فيه العذاب والحلم ويغوص في ذاته ليتجاوزها ويشارك في ما هو إنساني ولم يتشوه بعد.
<!--break--> حوار: محمد إسماعيل زاهر
في أحد نصوص ديوان “أبعد من عدم” للشاعر أحمد منصور نتلمس المراوحة بين العذاب والحلم حيث يقول:“ها هو ذا يطل من جديدهذا الصباح المفخخ كعادتهيطلمتقلداً فأسه الذي يشبه الأيقونةأو ربما كانت أيقونة على شكلفأس”يقول الشاعر هاشم المعلم معلقاً على تجربة أحمد منصور “اللافت في هذه التجربة هو هذه اللغة القاسية والضاربة إلى عمق السوداوية، إلى درجة الانصهار وتتدرج تلك النصوص - أبعد من عدم - إلى وتيرة عالية صاخبة، ثم تنحو إلى وتيرة هادئة لا تكاد أن تتلمس ما فيها من الشفافية المطلقة” ويعتبر الشاعر إبراهيم الملا تجربة منصور في “أبعد من عدم” حالة معبرة عن المشهد الشعري الحالي في الإمارات ويقول في دراسة له عن الديوان “يكشف حال الشعر هنا عن مجازات فردية أو “كانتونات” متناثرة، دليلها على كل حال صدور ديوان هنا أو فن طويل هناك أو مخطوطة شعرية في فترات مبعثرة، وهي نصوص تجميعية تبدو في الغالب وكأنها تضع بشاراتها في مهب الصدفة وغياب المشاريع الشخصية”.تطرح الرؤى السابقة أسئلتها الخاصة والتي ذهبنا بها إلى الشاعر أحمد منصور وكان هذا الحوار:
في البداية نود الحديث عن مرحلة التكوين الشعري.. بمن تأثرت في كتابة الشعر؟
لا أعرف إن كان هناك من تأثرت به فعلاً في كتابة الشعر، لكني من دون شك أصبت باشعاعات العديد من الرواة والشعراء والفلاسفة أيضاً، فأنا لست سوى كل تلك التراكمات، لكني، أعمل جاهداً عندما آتي لنصي أن أفرغ ذاكرتي في إناء زجاجي وأنحيها جانباً، في البدايات وكأغلب الشعراء العرب، لم يتسن لي التفلت من سطوة الشعراء الكلاسيكيين إن جازت تسميتهم هكذا، فبعضهم كان متجاوزاً للكثير من الحداثيين وإن كانت قصائدهم ضاربة في الأزل، فكان للشعراء الصعاليك وقع خاص في ذائقتي الشعرية، وكنت حفظت أبياتا عديدة من لامية الشنفري وعروة بن الورد وتأبط شراً، وكانت تفتتنني حياتهم بقدر ربما يتجاوز افتتاني بشعرهم، ثم امرؤ القيس وزهير بن ابي سلمى، مروراً بأبي تمام وحاوي اللغة المتنبي وأبي فراس وغيرهم، كل تلك كانت تراكمات لكني في بداية انشغالي في عالم الشعر على صعيد الكتابة قرأت للعديد من الكتاب الفرنسيين من أمثال رامبو وإيلوارد ملارميه وبودلير وألن بوسكيه، كما قرأت بشغف كبير أنسى الحاج، وبول شاؤول وسركون بولص وأدونيس ووديع سعادة وبسام حجار وغيرهم.
يتكون المشهد الشعري في الإمارات اليوم من العديد من الأطياف الشعرية المتنوعة والمتعددة، فكيف تنظر إليه؟
المشهد الشعري الإماراتي يتشكل من أطياف متعددة المستويات والتوجهات والرؤى، وهناك أطياف مضيئة ومشعة من دون شك، إلا أن هناك أيضاً فجوات كبرى وغيابات ربما تكون محيرة للمهتمين بمراقبة هذا المشهد، وتبرز القصيدة الحرة، أو قصيدة النثر كما يحلو للبعض أن يسميها متسيدة للمشهد الشعري بجدارة من ناحية القيمة الإبداعية والثراء الدلالي والبنية الشعرية، إلا أنها أقل الأطياف قبولاً من قبل المؤسسات الرسمية راعية الإبداع وهنا لا يختلف المشهد الشعري الإماراتي عن نظيره العربي، ربما لا يميزه سوى مساحات الانقطاع الكبرى في النثر، وكما توجد في هذا المشهد تجارب شعرية متقدمة جداً ومشتبكة حياتياً مع الشعر، فإن هناك أيضاً العديد من التجارب غير المشغولة وغير المصقولة جيداً سواء ممن يطلقون على أنفسهم الرواد أو من الجيل الأحدث على الرغم من أنني لا أستسيغ كثيراً تسمية الجيل هذه فهي تدخلنا في إشكالات مفاهيمية وتاريخية.
البعض يرى أن الشعر لم يعبر عن التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً كما فعلت أشكال أدبية أخرى كالقصة والرواية فكيف تتعاطى مع هذا الرأي؟
علينا أولاً ألا نحصر الشعر في القصيدة أو في شكل بنائي معين، فذلك يتنافى مع حقيقة الشعر وكونيته، كما أن الشعر ليس تابعاً لهذه التحولات لكي يقوم بالتعبير عنها وهو ليس معنياً بمواكبتها من المنظور التسجيلي فمهمة الشاعر الأساسية هي النسف وإعادة البناء على نحو اكثر جمالية، ولا يمكننا القول إن هذه العملية تخلو من أثر الارتدادات المرتبطة بالمحيط الخارجي وتغيراته. كما أن الرواية والقصة تقومان أساساً على تشبعات لغوية وزمنية لا تحتملها القصيدة التي تعنى كثيراً بالتركيز والكثافة والاختزال والنقاء الذي يحمل في داخله الخلاصة الذهبية، باختصار، الشعر هو ذلك المعادل الإنساني لصيغة كونية بالغة التعقيد، فلا يمكننا ان نطلب من القصيدة ما نطلبه من الرواية أو القصة، فكل له تقنياته وأدواته في التعامل مع تلك التحولات، كما أن هناك العديد من التجارب الشعرية الإماراتية ذات طابع رتيسوسي - نسبة إلى الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس - في ما يتعلق بالتقاط اليومي من خلال النص الشعري، فلا يمكننا بأي حال من الأحوال اتهام الشعر بأنه صراخ في البرية.
تجاوز الخصوصية الشعرية ما هو تعليقك على آراء أخرى تذهب إلى أن الشعر الإماراتي لا يتميز بنكهة خاصة؟
الشعر الإماراتي هو جزء من منظومة الشعر العربي، وارتباطه المرجعي والتكويني بالتراث الإنساني وليس العربي فحسب، خاصة في ما يتعلق بالقصيدة الحديثة، فالشعر يتخطى الجغرافيا ولا ينزل عند فواصلها، فهو كوني الطبيعة ويفقد روحه عندما يؤطر ومن وجهة نظري الشخصية، يجب على الشعر ألا يرتبط بنكهة غير نكهة الشعر ذاته، وكل ما يمكن فعله لإعطاء الشعر طابعاً خاصاً إنما هو مرتبط بالشكل والتوظيف الدلالي واللغوي للمفردات، وعلى هذا الأساس فإن الشعر الإماراتي لم يأت بجديد على صعيد الشكل، لكنه على صعيد البنية الشعرية يتقاطع بشكل ما مع بعض التجارب العربية وغير العربية، كما تتقاطع هي معه بدورها، وهذا لا ينفي الخصوصية أو يؤكدها، بل يتعداها.
على هذا الأساس هل نستطيع القول إن هناك مشاريع شعرية متكاملة في الإمارات؟
بالتأكيد، وقد قلت مرة لعبدالعزيز جاسم.. في بداية التسعينات إنك لو لم تكتب أي نص بعد “كيف أن مدينة لا تسع رأسي” فإنك في نظري قد أديت واجبك الشعري كإنسان لا شك في أن تجربة كتجربة عبدالعزيز جاسم هي تجربة شعرية متكاملة انسانياً وحياتياً ومتفردة وعميقة في مضمونها ولغتها، ولا أبالغ إذا قلت إن عبدالعزيز جاسم تجربة عالمية، وهو بالتأكيد يمثل نقطة ارتكاز وثقل للمشهد الشعري الإماراتي، كما لا يمكننا أيضاً تجاهل تجربة ابراهيم الملا الشعرية المنحوتة بعناية فائقة، ولا تجربة أحمد راشد المتداخلة بشكل جذري مع حياته، وهناك العديد من التجارب الأخرى المهمة، كتجربة عادل خزام ونجوم الغانم وخالد بدر وغيرهم، لكني لست متأكداً من إطلاق حالة التكامل عليها كمشاريع، فذلك بنظري يشي بالاشتباك الكامل واليومي بالشعر بكل تفاصيله وقلقه المزمن. على رغم ثراء هذه التجارب وتنوعها بما يشكل ثراء في المشهد الشعري خاصة تلك الجهات المنفتحة على الحداثة وقصيدة النثر في هذا الاطار يبرز سؤال رئيسي لماذا كل هذا الجدل حول قصيدة النثر؟ بكل بساطة لأن هناك فكراً تقليدياً لا يستطيع أن يتقبل وجود فكر جديد، فقصيدة النثر لا تحتاج إلى شهادة ولادة من أحد وقد مضت في طريقها منذ قرون والجدل حول شرعيتها هو جدل مفلس، وللأسف هناك تيار كبير تعدى مرحلة الجدل والتشكيك وكيل الاتهامات للقصيدة الجديدة، وبدأ يمارس نوعاً من العنف المشحون تجاهها وتجاه المعنيين بها في ما أعده استغلالاً سيئاً لنهج الانفتاح الثقافي الذي تتبناه البلاد.
الكثير من الشعراء الجدد في الإمارات توجهوا إلى حقول ابداعية أخرى كالسينما مثلاً هل ترى في ذلك دلالات ما؟
الشعراء صناع الجمال، والشعر هو النواة التي تدور في فلكها كل تلك الفنون المعنية بصياغة الجمال، والسينما هي أحد تلك الفنون البصرية ذات الشحنات العالية، فلا غرو أن يلتفت إليها الشعراء ببصيرتهم الإبداعية، ولكن علينا ألا ننسى أن الشعراء الحقيقيين لا يتركون الشعر فلا خلاص لهم منه، إلا أنهم يمكن أن يتنقلوا بين أدوات تعبيرية مختلفة، كما أن اغلب الذين توجهوا إلى السينما لم يتركوا كتابة القصيدة لكنهم أضافوا إلى لغتهم الشعرية بعداً بصرياً فلا خوف على هؤلاء من الاضمحلال.
في كتابه “القصيدة الحديثة في الإمارات” يرصد عبدالفتاح صبري التيمات المهيمنة على تجربتك الشعرية وأبرزها الألم، الاستبداد، العدم، الوحشة، فهل تراها تيمات خاصة بك أم مهيمنة على ابداع جيلك الشعري؟
هذه التيمات ليست مرتبطة بجيل وإنما بأسئلة وجودية كبرى يمر الجميع عبر بواباتها متى تولدت لديهم علائقية من نوع خاص بالوجود والعدم. في مرحلة “أبعد من عدم” كنت منشغلاً جداً بهذه الاسئلة ولا أعتقد انني تخلصت منها تماماً، لكني ربما انقلها الى مناطق اخرى غير تلك الموجودة في هذه المجموعة، لقد قمت بإعدام بعض النصوص كي احافظ على تيمة متجانسة للكتاب، وهذا ما لا أدعي أني نجحت فيه، فالكتابة عمل عظيم وكم سيكون جميلاً ان أفني عمري فيه.
وما هو تقييمك للمتابعة النقدية للشعر بوجه عام؟
يمكنني القول ان هناك فقراً شديداً في المتابعة النقدية للشعر في الساحة المحلية، وأغلب ما يطرح علي أنه دراسات نقدية لا يتعدى في نظري مستوى القراءة الانطباعية والنقد الاخواني كما يسميه بعض النقاد، أما النقد المنهجي المعني ببنية اللغة الشعرية فهو غائب عن الساحة المحلية من وجهة نظري، ويبدو لي ان بعض النقاد أسهم بقصد أو من دون قصد في تفخيم العديد من التجارب وأعطائها اكبر من حجمها الحقيقي، وخلق حالة من الترهل والاستهال الكتابي لدى العديد من التجارب التي كنا نأمل منها الكثير. إلا انني من القائلين بأهمية النقد الذاتي كمرحلة اولى ورئيسية لخلق نص شعري متماسك ورصين، فالنقد بطبيعته حالة تابع زمنياً للمرحلة الابداعية، أي ان النص يولد أولاً ثم يأتي النقد كخطوة لاحقة للتعامل مع النص، أما النقد الذاتي فيكون متلازماً مع ولادة النص ومراحل تكوينه واكتماله، وهو بذلك اكثر قدرة على التأثير في التجربة.
كيف ترى مستقبل الشعر من زاويتين الأولى تتعلق بعصر يتسم بالتشظي والقلق، والثانية في جدل حول أولوية الشعر أو الرواية؟
الشعر كائن لا يقبل المساومة، وسيبقى في اعتقادي الى مرحلة ما بعد الانسان، كيف لا وهو الذي وجد قبله، علينا ان نكف عن القلق بمستقبل الشعر وان نقلق لمستقبلنا نحن، فالشعر سيجد طريقة حتما بين كل تلك التمزقات والتشظيات، فهو كائن يحمل بذرة الزمن التي لا تموت. وعدم وجود شعراء في لحظة ما ولو كان ذلك افتراضاً جدلياً لا يعني موت الشعر على الاطلاق، ربما يكون موتاً مرحلياً لشعراء ولا يمكن لذلك ان يدوم. وقد قلت سابقاً انه من الخطأ ربط الشعر بالقصيدة فحسب، فالشعر هو المركز الذي تدور حوله مجرات الابداع الأخرى.
ولماذا الشاعر العربي مطالب دائماً بالتعبير عن قضايا أمته؟
يبدو لي ان ذلك المطلب تاريخي، وقد تعدى هذا المطلب فئة الشعراء وحدهم، فقد نالت المطالبة كل المثقفين والفنانين والمسرحيين وعموم الكتّاب وكل من له علاقة بالمجال الابداعي، إلا ان تلك المطالبة الدائمة من نصيب الكتّاب والمبدعين والشعراء فهم مطالبون بالاحتراق دائما من أجل الأمة.
نموذجان من شعر أحمد منصور
انفعال
انفعل الضوء،
فانطفأ.
انفعلت النسمة،
فانزوت في الدغل.
انفعل البحر،
فأصبح غيمة.
انفعل الجبل،
فاندس في طقم أسنان.
انفعل الليل،
فأشعل فانوسه الذي غدا شمسا.
انفعلت الشمس،
فاختبأت خلف البحر الذي أصبح غيمة.
الشاعر عندما انفعل،
وهب بصيرته للضوء الذي انطفأ
وغرس قلبه في النسمة.
وهب دمه قرباناً للغيمة،
وغرس أسنانه في الرمل.
أحرق قصيدة،
ثم بكى
بكى عليها حتى انطفأ،
وأصبحت نبراسا.
دمعة على الرف
خجلا،
أخذ يكنس الضباب
حاملا مكنسته المضاءة كقنينة فسفور،
وكيس إسفنج.
على خجل أيضاً،
ردد تميمة الصباح:
حطب الشمس نفد،
فاجفلي أيتها الظلال
ولا تبارح عشك أيها البلشون الأبيض.
الخطوات ستفضي إلى العدم،
والقمر سيضل طريقه إلى النهار.
أما أنتم أحبتي،
أآه،
لا تجزعوا،
سأصنع لكم شمساً بيدي
وأعلقها على شرفة قلبي
علّها، من دمعتي العالقة على الرف،
تستثير شمعة،
نضيء بها ليلة أخيرة،
ونموت مجدداً،
كالضباب.
المصدر: جريدة الخليج الإماراتية- الملحق الثقافي- 1 مارس 2008
http://www.alkhaleej.ae/articles/show_article.cfm?val=486161
