لقد كثر الحديث عن الهوية الوطنية في الآونة الأخيرة في الأوساط السياسية و الثقافية والإجتماعية، وهو موضوع حساس ودقيق للغاية، وقد ركزت أيضا عليه بعض وسائل الإعلام المحلية بشكل غير معهود، وفي الوقت ذاته، قامت وزارة التربية والتعليم بإدراج مواد تعنى بهذا الجانب في المناهج الدراسية؛ ناهيك طبعا عما ورد في خطاب نائب رئيس الدولة في إستراتيجة الحكومة الإتحادية، وقبل ذلك، في استراتجية دبي المحلية. كل ذلك أضفي زخما غير مسبوق على مسألة الهوية الهوية الوطنية وأهمية الحفاظ عليها. كل ذلك بالضرورة كلام جميل، وربما لن يكون حوله أي خلاف، إلا أن الإشكالية الكبيرة في نظري أنه احدا لم يتحدث عن معنى الهوية الوطنية او يتناولها تفصيليا، وهل يوجد هناك إجماعا حول هذا المفهوم أم ان هناك وجهات نظر عديدة وقراءات متعددة له؟ ثم لماذا الحديث عن هذا الأمر الأن بالذات وبهذ الزخم الغير مسبوق؟ هل لأننا اكتشفنا عدم تحققها في الواقع المعاش أم أن ذلك بمثابة جرس الإنذار المبكر في مرحلة صراع وجودي مرير؟ ثم كيف يمكن تحقيق هذه الهوية أصلا أو قياس مدى تحققها؟ وهل هي ثابتة أم أنها متحولة و متجددة؛ وعليه، كيف يمكن قياس ما هو غير ثابت؟
<!--break-->يبرز الحديث عن الهويات عادة في المنعطفات الخطرة والحرجة للأمم والقوميات والشعوب، وليس غريبا أن يكون الشعب الفليسطيني يعيش تحديات كبرى في صراع الهوية في ظل إحتلال بغيض يحاول جاهدا تمزيق الذات الفلسطينية وأرتباطها الوجودي بالمكان. صحيح ان الخطر الذي يستدعي الحديث عن الهوية الوطنية هناك، ليس هو ذاته هنا، إلا أن أسئلة الهوية المصيرية هي ذاتها وأن تعددت أشكال طرحها، فالإشكاليات لا تكمن عادة في الخطوط العريضة، فالشيطان، كما يقال، يسكن في التفاصيل، والتي هي بالضرورة القصوى أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بمشكل وجودي من هذا الطراز. ويبدو لي، أن الطرح الجاد لهذه القضية لابد أن يبدأ من الأسئلة التفصيلية الصغيرة والتي بإمكانها أن تشكل في مجملها مفهوما أو نواة لتكوين مفهموم حول الهوية الوطنية. إلا هذا الأمر بالذات، ليس مطروحا للتناول النقدي بشكل حر وصريح وشفاف، وتحكمه "تابوات" عديدة، وذلك بالضرورة لا يسهم في خلق مفهوم للهوية الوطنية يمكن ترجمته على الأرض. من وجهة نظري الشخصية، لا يمكن تحقيق أي إنجاز نوعي في خلق هوية وطنية دون إخضاع المسألة للنقد الحر والمسؤول، وبدون ذلك ستكون الأمور ضبابية وغير محزومة ويمكن ان تنفرط عند أول تحد حقيقي.
لا شك أننا نعيش في عالم بالغ التعقيد، ولا يمكن لنا ان نكون عفويين في التعامل معه أوالنظر إليه، وإذا كان هذا العالم يمضي بأسرع مما نستوعب، فذلك لأنه صاغ أسئلته وحدد أتجاهاته بشكل أكثر دقة مما نفعل نحن في عالمنا العربي، الذي مازال يعاني من إشكاليات جمة في التنمية والحرية ويخوض معتركات وجودية كبيرة في عالم لا ينتظر أحدا ولا يتوقف عند المنحدرات. من الجهل في نظري القول بأن الهوية هي عقيدة ثابتة لا تستجيب للمتغيرات ولا تتماشى مع التحولات الكبرى التي يشهدها العالم برمته، وهذا بالذت يجعل مفهموم الهوية أكثر تعقيدا وأكثر مدعاة للحوار والنقاش والنقد المتوازن، فلا يمكن لنا أن نصيغ معنى لهوية دون معرفة ووعي بالمرتكزات الرئيسية التي تشكل محورا مهما في تحديد الذات، وهذا هو العنصر الذي يتكئ على الماضي زمنيا، لكنه ينطلق من نقطة حالية في الزمن، وعليه، فأن الوعي الذي يتوجب تشكيله عن الهوية لابد وأن يكون أيضا مرتبطا بالراهن كشرط أساسي لتحقيق وجوده في الحاضر، لكن ذلك وحده أيضا لايكفي، إذ لابد من إرتباط هذا الوجود "المضارع" إن جاز التعبير، بالإدراك اللازم للصيرورة الكونية والتطورات التي تصاحبها كي ما تتحقق الديمومة الوجودية أو ديمومة الهوية والتي يعبر عنها البعض بمقولة "الحفاظ على الهوية".
الحديث حول الهوية الوطنية يطول، ولا أعتقد أن تحقيقا عابرا في صحيفة سيفي بالغرض، وكم كنت أتمنى أن تكون هناك ندوات مركزة وحوارات صريحة و شفافة حول هذه المسألة لأهميتها الفائقة والتي لا يمكن معالجتها بشكل طارئ وغير مكثف. أتمنى أن يكون الطرح هنا مجرد نواة أو مدخل لعمل أكثر كثافة ودقة حول هذه المسألة، فهي من الخطورة بمكان يستوجب نقاشا جادا، متوازنا، وشفافا.
احمد منصور – منشور في جريدة الخليج - إبريل 2007
