تونس ما بعد الاستقلال، ماذا بقي من المشروع الوطني ؟

mided - اثن, 2008-03-24 13:07 By mided

تونس- خدمة قدس برس لطفي حيدوري  

أحيت تونس يوم الخميس 20 مارس اثنتان وخمسين سنة على استقلال تونس. وهي مناسبة سنوية يتوقف عندها التونسيون سلطة ومجتمعا لاستذكار تجربة الاستعمار الفرنسي وما تلاها من تجربة امتدت اليوم لأكثر من 50 عاما متطلعين للتخلص من الكثير من سلبياتها ومراراتها وإحباطاتها، مستلهمين عناصرها الإيجابية. فلم يعد إحياء التونسي لذكرى الاستقلال الذي أعلن في 20 مارس 1956  استعادة لتجربة التحرر الوطني وإنّما باتت هذه المناسبة فرصة للتأمل والوقوف على تجربة دولة الاستقلال التي حملت في طياتها حلم التونسيين كلّ وتطلّعه. وهو ما يجعل محطات التقييم متعددة يقسّمها كل طرف بحسب رؤيته.

 

السلطة في تونس تعتقد بوجود مرحلة واحدة شعارها الرسمي المتداول اليوم "مسيرة الإصلاح من خيرالدين التونسي (توفي 1889) إلى زين العابدين بن علي". أي أنّ القيادة الحالية للبلاد واصلت مشروع التحديث الذي قاده خير الدين التونسي في نهاية القرن التاسع عشر وتتجلى معالمه واضحة في مجالات التعليم والصحة والبنى التحتية وحرية المرأة... ينضاف إلى وجود دولة حافظت على الأمن والاستقرار بعد خروج جيش المستعمر. وهو ما يؤهلها لشرعية الوجود والاستمرار.

 لكن يرى آخرون أنّ هناك فئة محدودة قد احتكرت لنفسها تراث البلاد وتطلعاتها وتضحياتها، ففرضت رؤيتها ونهجها، مصادرة حسب تقديرهم أحلام أجيال برمّتها بانحرافات ونكوص عن أهداف جيل التحرير والمقاومة. وهو ما مثل حسب رأي هؤلاء خسائر للبلاد ووضعها أمام تحديات تدفع بها نحو المجهول.فخلال 52 سنة من الاستقلال وإعلان الجمهورية لم تعرف تونس سوى رئيسين قضى الأول وهو الزعيم الحبيب بورقيبة 30 سنة في الحكم، بينما أكمل خلفه الرئيس بن علي 20 عاما وهو يتجه بإصرار للاستمرار في الحكم إلى وقت غير معلوم. بينما  يسيطر الحزب الحاكم منذ الاستقلال  على الحياة السياسية ويبسط نفوذه على جميع مؤسسات الدولة من البرلمان بغرفتيه إلى الحكومة ومنظمات المجتمع المدني إلاّ هامش ضئيل متروك لمنظمات لا تختلف معه كثيرا.  

دلالات منقوصة للاستقلال 

ويرى القاضي مختار اليحياوي أنّه ليس من السهل اليوم الحديث عن دلالة الاستقلال والتعبير عن المعاني التي تثيرها الذكرى 52 لاستقلال البلاد، ويعود ذلك حسب رأيه إلى سببين  "فالمجتمع التونسي اليوم لم تشهد أغلبيته غياب الاستقلال حتى تدرك قيمة الحصول عليه. كما يعود ذلك أيضا لسبب واقعي ناجم عن تغير القيم حيث أصبحت الهجرة لبلاد المستعمر السابق و الحصول على جنسيته أهم حلم يراود التونسي و يشعره باستكمال مقومات ذاته و خاصة لدى الشباب حتى أن مجتمعنا أصبح اليوم في نسبة هامة منه مزدوج الجنسية".

 

وقال في تصريح خاص لقدس برس إنّ "الاستعمار التي نحتفل بمرور أكثر من نصف قرن على تجاوزه عندما حل ببلادنا إنما جاء للقضاء على المشروع التحديثي الذي بدأ يتبلور في بلادنا في ذلك الوقت. فالاستقلال ليس كسبا في حد ذاته بقدر ما هو نجاح في التخلص من عائق كان يرمي إلى حرمان بلادنا من إبراز طاقتها و ووجهها الحضاري بين الأمم". ويضيف اليحياوي "إن" الوضع لم يتغير و لا يزال نفس المشروع الوطني تحديا قائما على مختلف الأجيال إنجازه و لا بد من الوقوف أمام كل من يحاول تعطيله أو تهميش المجتمع عن دوره في تحقيقه حتى يتم إنجازه و يستعيد التونسي فخره بالانتماء إلى وطنه".

 

ويشترك كثير من المنتقدين للنظام التونسي في اعتبار أنّ الدولة هي سبب وجود أزمة عنوانها الاستبداد وغياب الحريات واحتكار السلطة والفساد والضعف الاقتصادي. كما يحذّر البعض من عواقب استمرار هذه الحالة. وفي هذا الصدد أكّد الوجه الإسلامي البارز المحامي نورالدين البحيري لقدس برس أنّه "رغم ما تحقق من مكاسب في العديد من المجالات وعلى مستويات متعددة  فإنّ استمرار هيمنة الحزب الواحد على الحياة السياسية وأجهزة الدولة وغياب حياة برلمانية تعددية حقيقية معبّرة عن التوازنات القائمة في المجتمع وممثلة لمكوناته الفاعلة واستمرار بعض مظاهر مصادمة الهوية والسياسات الداعمة للتغريب في العديد من المواقع والمجالات. والتراجعات المسجلة في ما تحقق من مكاسب في خصوص ضمان مجانية التعليم والعلاج واستفحال ظاهرة التفاوت الطبقي والتمايز بين الجهات كلّها وغيرها مظاهر تدل على أنّه ما زال يفصلنا الكثير على تحقيق طموحات أبناء شعبنا وتجسيد أمل الشهداء والمقاومين في السيادة الوطنية والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية". وحذر البحيري من "أنّ ما تعيشه بلادنا من انغلاق سياسي ومظاهر تمييز وتفاوت يهدد الوحدة الوطنية والاستقلال الوطني في الصميم ويمثل خير أرضية لاتساع مظاهر الرفض والغضب وتنامي ظاهرة العنف الفردي والمنظم التي من شأنها لو استفحلت أن تعصف بكل ما تحقق من مكاسب".

 ويعتبر الدكتور مصطفى بن جعفر الأمين العام للتكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات أنّ أزمة النظام السياسي التونسي مرشحة وفق المعطيات الحالية إلى الاستمرار وقال "إن ما يعانيه النظام السياسي التونسي منذ البداية، من طابع رئاسوي، ازداد خطورة إثر التحويرات التي أدخلت سنة 1988 و 2002 على الدستور حيث جعلت من رئيس الدولة شخصا يمسك بكل السلطات ولكنه في نفس الوقت محصن عدليا ولا يسأله أحد في أمر. فنظام تونس اليوم بات نظام حكم مطلق". وحسب رأيه فإنّ من مخلفات هذا النظام "انتشار الفساد في عديد المجالات منها النظام البنكي الذي أصبح محل نقد من طرف صندوق النقد الدولي نتيجة لتفاقم حجم الديون المشبوهة وتعكر مناخ المعاملات وغياب الشفافية والاستقرار اللازمين في مجال التصرف والتسيير". 

فرص مهدورة 

رغم حصول أزمات في علاقة الدولة بالمجتمع كشفت عن فشل سياسات الدولة وعدم الرضى فإنّ النظام "خيّر في كل الحالات الحلّّّّ القمعي على حساب الحلول السياسية التي تفرض القطع مع الحزب الواحد والرأي الواحد، وتقر بضرورة وجود "سلطة مضادة"، وبمبدأ تشريك المواطن في الشأن العام. فكانت جل الأزمات بمثابة الفرص المهدورة والمحطات الحالكة التي ترمز إلى تعطل التنمية السياسية"، حسب الدكتور بن جعفر.

  وفي هذا السياق يشير القاضي مختار اليحياوي إلى مآلات الحكم الفردي وانعكاساتها على قدرة المجتمع على المشاركة في صنع مستقبل بلاده قائلا "إنّ مجتمعنا خرج فعلا من حالة بؤس مادي ولكن إلى حالة بؤس معنوي أفقدتنا و خاصة شبابنا- تلك الشعلة المشحونة بالآمال والمشاريع التي أجبرت المستعمر على الرحيل وجعلتنا نمسك بناصية مصيرنا- إلى حالة سلبية من الإحباط والتهميش واهتزاز القيم والمبادئ حكمت على الأغلبية بشعور الأسر في قيود مشروع لم يعد يراهن عليه ولا يشعر بأنه مشروعه ولا يتمنى غير فرصة الفرار من كابوسه". 

استئناف حلم الشهداء 

لا مناص لأي متدخل في الساحة السياسية في تونس من أن يحيل على الحركة الإصلاحية والحركة الوطنية كل من وجهة نظره حكما ومعارضة ونخبة فكرية. وفي حين تعتبر السلطة أنّها راسخة في المشروع الإصلاحي الذي ظهر قبل دخول الاستعمار، تعتبر المعارضة أنّ مشروع الإصلاح وحتى المشروع الوطني للاستقلال قد وقع إجهاضه.

 

يعتبر الدكتور بن جعفر أنّه "لم يعد للترميم أي جدوى بل أصبح من المتأكد النضال من أجل تغيير جذري لعلاقة الدولة بالمجتمع وللخروج من دولة التعليمات إلى دولة القانون، ومن قاعدة الولاء مقابل الامتيازات إلى قاعدة الحقوق مقابل الواجبات ومن الزبائنية إلى المواطنة، ومن القمع إلى الحرية. ذاك هو بديلنا الذي حلم به شهداء 9 أفريل 1938 والذي سنحققه لا محالة".

 

كما يرى نورالدين البحيري أنّه "متى وعينا بأنّ الانغلاق والظلم السياسي والاجتماعي ومعاداة الثوابت الوطنية أيسر السبل لتوفير أرضية خصبة لنموّ التطرف والإرهاب فإنّ الطريق الوحيد لحماية البلاد من آثاره المدمرة وتأهيلها لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة يمر حتما عبر الوفاء لدماء الشهداء وتحقيق مطامح شعبنا القديمة الجديدة في حماية السيادة الوطنية والديمقراطية الحقيقية والعدالة الاجتماعية وحماية واحترام ثوابت الأمة ومقدساتها".

 ومن جهته يعتقد مختار اليحياوي "أن أهم مغزى لذكرى الاستقلال اليوم هو الوعي بحتمية إدخال تعديلات جوهرية على المشروع الوطني الذي انبثق عنه من خلال الجمهورية بإعادة الثقة في عدالته وفتح مجال الحرية للجميع في إطاره و التصدي لكل الانحرافات التي أوصلتنا للوضع الذي نحن فيه".

كاتب

كاتب هو مشروع يهدف إلى إتاحة الفرصة لنشطاء حقوقيين و مفكرين و شباب و غيرهم من العالم العربي أن ينشروا على الوب دون قيود باستثناء الخطاب المحرض على الكراهية. يسعى كاتب إلى أن يوفر باللغة العربية و في مناخ حر ما بدأه ملايين المدونين في العالم — و ألوف في العالم العربي — ممن رفضوا الصمت ...المزيد