إذا كانت كل فتاة تحلم يوم زفافها بارتداء ابهى الثياب وتزيين رأسها بأجمل التسريحات ابتهاجا بليلة العمر التي طال انتظارها، فالأمر يختلف عند قبيلة النوير في الجنوب السوداني، التي تعني ليلة الزفاف عندها حلق شعر العروس لتصبح صلعاء. وقبائل النوير واحدة من القبائل النيلية التى تتواجد حالياً في جنوب السودان بولاية الوحدة مركز غرب النوير، وتعتمد على تربية الماشية، ولها مجالس من كبار السن، وكهنة يلبسون جلد الفهد يفصلون فى القضايا ويحلون الخلافات والمشاكل بين أفرادها، وهؤلاء كانوا يمارسون سلطات مباشرة، وكانت لديهم القوة لجلب الوباء للذين لا يستمعون لأوامرهم (حسب معتقدات ابناء القبيلة).
فى موسم الأمطار تزرع نساء النوير الذرة بينما يمارس الرجال الصيد البري وصيد الأسماك، والمحافظة على قطعان الماشية والتى تمثل عصب الحياة الاقتصادية والمعيشية، لأنهم لايعتمدون عليها كمصدر للبن واللحم فقط ولكنهم يستخدمون جلودها وعظامها لاحتياجات أسرهم وأدواتهم الموسيقية واسلحتهم، ويستخدمون روث البهائم لوقود الطهو وذبح المواشي في النوير يلعب دوراً أساسياً فى مراسم الزواج والولادة وبدء العمل والموت.
ومع بداية البلوغ يمنح الشاب اسم ثور علامة دخوله الى مرتبة ملاك المواشي، ومن أشهر زعمائهم الدينيين “نقودنق” وابنه “قويك”، والذى قاد النضال ضد البريطانيين فى بداية القرن العشرين.
وللأبقار مكانة اجتماعية واقتصادية، بوصفها الأموال، وعند الزواج اذا كان الرجل لا يملك ابقاراً يعتبر “فقيراً” يدفع له أهله واقرباؤه واصدقاؤه البقر كمهر لأهل العروس، ليقوم اهل العروس بارجاع جزء من هذه الأبقار الى بيت الزوجية. ويسمى البقر المرجوع “تيوك”، اما البقر الذى يدفع كغرامة فيسمى “شواي جين روف”، ومقام البقر عند النوير يرتقي الى مقام الانسان، واغلبهم لايأكل لحومه، واذا رأى فرد من قبيلة النوير شخصاً ما راكباً على ظهر البقر غضب غضباً شديداً منه، واذا لم يكن هناك طعام لا يقترب احد ليذبح بقرة ويأكلها، حتى لو يبس الأخضر من الحشائش والشجر وانعدم السمك من النهر فلا يذبح يؤكل النافق فقط.
واذا اشتد الجوع فكل ما يفعلونه هو اجراء عملية جراحية بسيطة للبقر تسمى “باره يانق”، ومعناها “طعن البقر لا ذبحه”، وتحدث العملية بأن يحضر البقر الضخم الممتلىء الجسم ومن بين رقبته يبحث عن وريد ويطعن بحربة خاصة حتى يتدفق الدم بغزارة على اناء يوضع تحت الرقبة مباشرة، وبعد ذلك يتم ربط مكان الطعن بحبل قوي ويؤخذ الدم ويوضع في اناء على النار حتى يتجلط ويوضع بعد ذلك ويؤكل مع اللبن المخزون.
واللبن يتم تخزينه لفترات طويلة من دون أن يتأثر بالفطريات بفضل صب القليل من “بول” البقر عليه كمادة حافظة، وهذه العملية تكسب اللبن نكهة خاصة يعرفها أبناء القبيلة.
وحول عادة حلق شعر العروس وطقوس وأنواع الزواج المختلفة، وعن معناها لدى أبناء النوير قال فاروق جاك كوث القيادي الجنوبي البارز وصاحب الكتب والأبحاث حول عادات وطباع القبائل الجنوبية من أبناء النوير، حلق شعر العروس له دلالات عميقة وعديدة لدى القبيلة، ويدل على ميلاد جديد لها، وبدء مرحلة جديدة من مراحل الحياة، ويدلل على خلو رأسها من العيوب والتشوهات، والكدمات وتسليمها للعريس كما ولدتها أمها بلا شعر.
وحول أنواع الزواج وطقوسه قال: مراحل الزواج تبدأ بالنشأة، والفطام، وخلع الأسنان، والشلوخ والزواج، لدى النوير أكثر من تسعة أنواع أهمها زواج الموتى زواج الأرمل، وزواج الأرملة، وزواج المعوق، وزواج المعوق تعتبره القبيلة خيراً، وطالما له قدرة انجابية يتكفل المجتمع بتزويجه ولكن لا تقام مراسم لهذا الزواج مراعاة له. أما زواج الموتى فاذا توفي الشخص ولم يتزوج يمكن لأخيه أن يتزوج امرأة باسمه وان ينسب الأولاد له، علما بأنه لايوجد سقف لعدد الزوجات بالقبيلة وفى الغالب يتراوح ما بين 10-15 زوجة .
